يستكشف المقال كيف تعيد السرديات السياسية المتغيّرة في سوريا تشكيل الهوية والأدوار الجندرية والانتماء، وكيف يتعامل جيل نشأ في ظل الصراع مع سؤال من يملك حق رسم ملامح مستقبل البلاد.
%20(2).jpg)
تشهد الأنظمة السياسية في لحظات التحوّل الكبرى ما هو أبعد من تبدّل السلطة؛ فلا يتغيّر شكل الحكم فقط، بل تتغيّر القصة التي تُروى عن المجتمع. ومع تغيّر القصة تتبدّل المعاني: من هو البطل؟ من هو الضحية؟ ما الذي يُعدّ شجاعة؟ وما الذي يُعتبر خروجاً عن الدور؟ في هذا المعنى، لا تكون الهوية معطى ثابتاً، بل نتيجة سردية تتشكّل عبر من يملك القدرة على الكلام، وعلى فرض روايته بوصفها الرواية «الطبيعية».
في السياق السوري، تبدّلت السرديات خلال سنوات قليلة بوتيرة غير مسبوقة. لم يكن التغيير سياسياً فحسب، بل كان تغييراً في المعنى نفسه: معنى الوطن، ومعنى المجتمع، ومعنى المرأة. ومع كل سردية جديدة، أُعيد رسم حدود الأدوار المقبولة، وأُعيد تعريف ما يُنتظر من النساء وما يُسمح لهن به.
خلال سنوات الحرب وتصاعد خطاب الصمود بوصفه السردية المهيمنة، طُرحت المرأة بوصفها «أمّاً للصمود»، تُقاس قيمتها بقدرتها على الاحتمال، وتُختزل أدوارها في رعاية الفقد وإعادة إنتاج الحياة اليومية وسط الانهيار. ومع توسّع العمل الإنساني والمدني في بعض المناطق، وظهور منظمات ومبادرات محلية ودولية خلال سنوات الحرب الممتدة، ظهرت سردية «المرأة الناشطة» التي تُمنح مساحة عامة، لكن ضمن شروط أخلاقية محددة. ثم جاءت سرديات أخرى تُعيد تقديم المرأة كضحية دائمة، أو كرمز للمعاناة الجماعية، أو كقصة تُستخدم لتأكيد شرعية خطاب سياسي بعينه.
هذه التحوّلات ليست وليدة اللحظة الراهنة وحدها، بل تتكئ على تاريخ طويل من القلق حول الهوية في سوريا. فالسؤال «من نحن؟» لم يكن طارئاً، بل سؤالاً متكرراً يعود في كل مرحلة مفصلية. منذ أواخر العهد العثماني، ظهرت محاولات متعددة للإجابة عنه: هل الانتماء عثماني أم عربي أم إسلامي أم سوري ضمن حدود جغرافية جديدة؟ هذه الإجابات لم تكن مجرد أفكار نظرية، بل سرديات سياسية وثقافية متنافسة، كل واحدة منها تحاول تعريف المجتمع وتحديد أدوار أفراده.
بعد الاستقلال في منتصف القرن العشرين، دخلت البلاد مرحلة جديدة دون تجربة طويلة سابقة لدولة وطنية راسخة بالمعنى الحديث. وظهرت مشاريع فكرية وسياسية متعددة حاولت الإجابة عن سؤال الهوية، لكن كثيراً منها لم يكتفِ بحدود الدولة السورية، بل طرح تصورات أوسع للانتماء: عربية، أو إسلامية، أو أممية. وهكذا بدت الهوية الوطنية السورية وكأنها ظلّت قيد التشكّل، بينما تنافست سرديات كبرى على تعريف أفق المجتمع.
كما يشير أمين معلوف في كتابه «الهويات القاتلة»، فإن الخطر لا يكمن في تعدد الانتماءات، بل في اختزال الإنسان في انتماء واحد يُطلب منه الدفاع عنه بوصفه هويته الوحيدة. في السياق السوري، تبدو هذه الفكرة شديدة الصلة بالواقع، حيث جرى دفع الأفراد مراراً إلى تعريف أنفسهم من خلال بُعد واحد: سياسي، أو طائفي، أو قومي، أو مناطقي. ومع كل اختزال من هذا النوع، تضيق مساحة الهوية، وتتحوّل من مساحة مركّبة إلى موقع دفاعي.
وهنا يصبح السرد أداة حاسمة؛ فالسرديات التي تُبسّط المجتمع إلى مكوّنات منفصلة لا تعكس الواقع فقط، بل تعيد إنتاجه. أما السرديات التي تعترف بتعدد الانتماءات، فتفتح المجال أمام هوية أكثر مرونة، وأقل قابلية للتحوّل إلى أداة صراع.
هذا الاختزال لم يطل الهوية عموماً فحسب، بل أثّر في تشكيل الأدوار الاجتماعية، ومنها أدوار النساء. فالسرديات القومية طرحت المرأة بوصفها «أمّ الأمة»، والسرديات الثورية طرحتها بوصفها «شريكة في التغيير»، والسرديات المحافظة أعادتها إلى دور الحافظة للتماسك الاجتماعي. ومع كل سردية، كانت الهوية النسوية تتشكّل بطريقة مختلفة، دون أن تستقر على نموذج واحد.
في قلب هذه اللحظة يقف جيل جديد تشكّل وعيه داخل التحوّل نفسه: جيل زد. كان كثير منهم أطفالاً أو في بداية المراهقة عند بداية الثورة، وكبروا في ظل الحرب، والانقطاع التعليمي، والنزوح، والتشظّي الاجتماعي. هذا الجيل لم يرث سردية مستقرة بالمعنى التقليدي، بل نشأ كثير من أفراده بين سرديات متناقضة: خطاب الاستقرار، خطاب الثورة، خطاب الحرب، خطاب النجاة، وخطاب إعادة البناء. لذلك قد تبدو هويته لدى بعضهم أقل ثباتاً، وأكثر ميلاً إلى البحث عن معنى. هذا لا يعني أن جيل زد يعيش فقط أزمة هوية، بل يشير أيضاً إلى أن بعض أفراده يعيشون فرصة لصياغتها بطرق مختلفة.
تاريخياً، كثيراً ما تكون الأجيال التي تنشأ في نهاية الحروب أكثر ميلاً للمشاركة في إعادة البناء، لأنها تختبر مبكراً هشاشة العالم، وتدرك أن ما يبدو ثابتاً يمكن أن يتغيّر. هذه التجربة لا تنتج بالضرورة جيلاً منسحباً، بل قد تدفع بعض الشابات والشبان إلى البحث عن الحياة بطرق مختلفة، وإعادة التفكير في القيم، والعلاقات، والأدوار الاجتماعية.
وفي الحالة السورية، يتجلّى ذلك في مبادرات فعلية: شابات يتحمّلن أدواراً اقتصادية داخل الأسرة بعد فقدان المعيل، ومجموعات شبابية تُعيد تنظيم الحياة المجتمعية في الأحياء المُدمَّرة، وأفراد يعملون في مجالات رقمية عابرة للحدود يصعب تصنيفها ضمن الأدوار التقليدية. هذه التجارب الفردية، حتى حين تبقى محدودة، تُشير إلى أن إعادة التعريف جارية فعلاً، سواء صدر بها إذن رسمي أم لا.
يُطلب من هذا الجيل اليوم أن يشارك في البناء، رغم أن كثيراً من أفراده لم يعرفوا مرحلة استقرار طويلة. تُطرح عليه مهمة مزدوجة: إعادة بناء المجتمع، وإعادة تعريف الهوية في الوقت نفسه. بالنسبة لبعض الشابات تحديداً، تتضاعف هذه المهمة. فهنّ يجدن أنفسهن بين سرديات قديمة تحاول إعادة تثبيت أدوار تقليدية، مثل التركيز على الزواج المبكر بوصفه ضماناً للاستقرار، أو حصر دور المرأة في رعاية الأسرة بعد سنوات الفقد، أو التشكيك في عملها في المجال العام، مقابل سرديات أخرى أحدث تدعو إلى مشاركة أوسع في الفضاء العام، كالدخول في العمل المدني، أو المبادرات المحلية، أو الانخراط في التعليم والعمل المهني بعد انقطاع طويل.
هنا يعود السؤال الأساسي: من يملك السرد؟ إن كان السرد يسهم في تشكيل الهوية، فإن الصراع على الحكاية يصبح أيضاً صراعاً على تصوّر المستقبل. فالسردية التي قد تبرز اليوم يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يُطلب من جيل كامل أن يفهم نفسه: كجيل نجاة، أم جيل إعادة بناء، أم جيل تغيير. ومع كل تعريف محتمل، قد تتشكّل تصوّرات مختلفة للهوية، وتُفتح إمكانات متعددة، خاصة أمام النساء الشابات اللواتي يقفن على تخوم مرحلة لم تُكتب قصتها بعد.
دفعت السنوات الأخيرة هذه التراكمات التاريخية إلى الواجهة دفعة واحدة. تحوّلت الهوية إلى سؤال يومي: من نحن في ظل النزوح؟ في ظل الانقسام؟ في ظل تغيّر مراكز السلطة؟ لم يعد السؤال فكرياً فقط، بل أصبح تجربة مُعاشة. وبين هذه التحوّلات المتسارعة، بدا أن ما يتغيّر ليس الانتماءات وحدها، بل الإطار الذي نفهم من خلاله أنفسنا. وهكذا لم تعد الهوية تُطرح بوصفها معطى ثابتاً، بل بوصفها عملية مفتوحة تتشكّل مع تغيّر الظروف ومع السرديات التي تحاول تفسيرها.
فالهوية ليست فقط ما نعيشه، بل أيضاً ما نحاول أن نقوله عن تجربتنا. ومع تغيّر الحكايات، تتبدّل الحدود التي نتحرك ضمنها، وتتغيّر الأسئلة التي نطرحها عن أنفسنا. وفي سوريا اليوم، ربما لا يدور النقاش حول من يملك السلطة فحسب، بل حول من يشارك في كتابة القصة، ومن تُسمع روايته، وأي سرديات ستُترك لتتبلور. فهل سنشهد حكاية تُعيد إنتاج الأدوار نفسها، أم سرديات أكثر تعددية تسمح بقراءة مختلفة للهوية، خاصة لدى جيلٍ نشأ في قلب التحوّل ولم تُحسم بعد طريقته في تعريف نفسه؟