SEEN

October 6, 2026

رأي

اليسار، الماركسية في سوريا والمسألة الكويرية

من تجربتها كمُنظِّمة نسوية يسارية في لبنان وسوريا، تكتب نايا الرجب عن التحالفات والتوترات بين اليسار والحركات الكويرية، وتستكشف دور الرعاية والتضامن في بناء تحرر لا يستثني أحداً.

نايا الرجب
Back to archive

الكوير يُوسّع نطاق الثورة

في مسيرة ٨ آذار منذ قرابة الثماني سنوات، حملت نساء عابرات علم الترانس بأجسادهن، هاتفات في وجه نظام أبوي طالما أراد لهن أن يختفين. لم يكن حضورهن مجرد رمز، كان مواجهة مباشرة، جسداً يقول للشارع إنه هنا، وإنه لن يعود إلى الظل. أذكر ذلك اليوم جيداً، لأنني كنت هناك أهتف معهن: "نحن نحن الترانسات.. عالذكورية ثائرات!"، أقود صفوفاً من النساء والعابرات، نطالب بمكان لنا في هذا العالم لا يشترط علينا سياسة على الجسد ولا تنازلاً عن جزء منا لنستحقه.

لهذا الحضور جذور أقدم من ذلك اليوم بكثير. في عام ٢٠٠١، حين وقعت واقعة القاهرة ٥٢ وما حملته من قمع وألم لمثليين مصريين، شعرت مجموعة من الأشخاص أن الصمت لم يعد خياراً للكثير من الكوير، وأن العمل الفردي المتفرق لا يحميهم ولن يغيّر شيئاً في بنية نظام مشكّل للقمع والعنف وإهانة الكرامة الإنسانية. كانوا نسويات، ويساريين، ومثليين، وعابرات، جمعهم إيمان واحد بأن قضيتهم لا تنفصل عن قضية العدالة الاجتماعية الأوسع. لم يكن هذا التقاطع خياراً تكتيكياً أو محاولة لتوسيع قاعدة الدعم، كان إدراكاً مبكراً أن القمع الذي يستهدف الجسد الكويري والقمع الذي يستهدف الطبقة العاملة والمرأة ينبعان من ذات الأداة: دولة تحتكر حق تعريف من هو "المواطن الصالح" ومن هو الفائض عن الحاجة. من هذا الإدراك، وما بُني عليه، وُلدت "حلم" في بيروت، حركة سياسية في جوهرها منذ يومها الأول، تناضل من أجل حقوق الكوير وقضايا المجتمع المدني معاً.

بعد سنوات، وبالتحديد في اللحظة التي أضرم فيها البوعزيزي النار في نفسه، وجدنا أنفسنا في المنطقة كلها داخل مشهد ثوري أكبر بكثير من حدود عاصمة واحدة، كأشخاص مثليين وعابرات ونساء واشتراكيين، وبالتأكيد توسّع ذلك لدى كافة الشعوب وكافة الطبقات العاملة، من تونس إلى مصر إلى سوريا إلى العراق إلى لبنان إلى السودان. كنا في الشارع مع الجميع، نتظاهر إلى جانبهم، نضع في خدمة اللحظة أدوات لم تكن متاحة دائماً لغيرنا: تنظيم مستمر، مناصرة دولية، حشد، ولوبينغ لم يتوقف عند حدود بلد واحد أو مجموعة واحدة.

وفي السنوات الخمس الأخيرة، اتسعت هذه المساحة أكثر. رفعت الحركات الكويرية صوتها من أجل فلسطين، من أجل السودان، من أجل قضايا أخرى في منطقتنا لا تبدو للوهلة الأولى قضيتنا: العنف ضد النساء، والعاملات والعمال المنزليين، واللاجئين. قلنا بوضوح إننا لسنا بعيدين عنها، فهي تتقاطع مع تحررنا نفسه، ونعمل ونناضل من أجلها كما نناضل من أجل أنفسنا، سعياً إلى إنصاف حقيقي لكل الناس وكل المجتمعات. كان هذا واضحاً في ممارستنا، في الميدان، وفي كل مساحة نظّمنا فيها أنفسنا.

كل هذا العمل، في الشارع وفي المنظمة وفي شبكات التضامن، كان يحمل في داخله سؤالاً لم نتوقف عن طرحه: كيف يعمل هذا النظام الذي يقمعنا؟ من يستفيد من إبقائنا في الهامش، ومن إبقاء النساء والعمال واللاجئين هناك معنا؟ لم نستطع فهم اضطهادنا بمعزل عن فهم الرأسمالية والدولة وعلاقات الطبقة وتأسيس الدولة الوطنية، فكلاهما يحتاج، لكي يعيد إنتاج نفسه، أجساداً رخيصة أو غير مرئية أو خارج الحماية القانونية: عاملة منزلية بلا عقد، لاجئ بلا أوراق، جسد كويري بلا اعتراف. هذه لم تكن أبداً مصادفات متجاورة، هي وظائف مترابطة لنظام واحد يقيس قيمة الحياة بمدى نفعها أو خطرها على استمراريته. فهم هذا الترابط ليس تمريناً نظرياً أو نقاشاً لصقل القدرات، هو ما يفسّر لماذا لا يمكن لأي تحرر أن يكون جزئياً.

انطلاقاً من هذا الفهم، أعود إلى سوريا، حيث سيتركز معظم هذا المقال على إعادة التفكير بأساليب تحررنا ونضالنا. سوريا اليوم، بعد كل ما مرت به، تحتاج إلى أن تُعاد وتُشكَّل فيها هذه العلاقة بين اليسار والحركة الكويرية والنسويات والمساحات المدنية، وأن تُبنى من تجربتنا نحن، بدروسها وانكساراتها. وهذا ما سيحاول هذا المقال أن يفعله: كيف يوسّع الكوير الثورة؟ وكيف نبدأ من حيث يبدأ النظام نفسه؛ من الأسرة، تلك المؤسسة التي تبدو أكثر الأشياء دفئاً وخصوصية، بينما هي، في الوقت ذاته، إحدى أدواته الأكثر كفاءة.

الماركسية، والأسرة، والتكاثر

في إحدى جلسات النقاش داخل حلقة الكوادر في المنتدى الاشتراكي بزيكو هاوس، جلسنا في حلقة دائرية في غرفة المنتدى التي لا تتجاوز أربعة أمتار بأربعة، تحيط بنا الكتب والمناشير، نناقش مقالاً عن رؤية إنجلز للأسرة. كانت النقطة التي توقفنا عندها طويلاً بسيطة وصادمة في آنٍ: أن الأسرة الغيرية المعيارية "النووية"، بشكلها "الطبيعي" الذي لا يُسأل عنه أحد، ليست معطى بيولوجياً ولا أخلاقياً، بل نشأت تاريخياً مع الملكية الخاصة نفسها. كتب إنجلز في "أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة" أن الزواج الأحادي لم يظهر ليكرّس الحب، بل ليضمن للرجل التحكم في جسد المرأة وحياتها الجنسية، ولتنتقل الثروة بيقين إلى ورثة "شرعيين". تذكرت يومها كم من مرة سمعت عبارة "هيك لازم يكون" عن الزواج والإنجاب دون أن يجرؤ أحد على السؤال: لازم لمن، ولمصلحة من بالضبط؟

لم تكن وظيفة الأسرة، كما ناقشنا يومها، مجرد إنتاج جيل عمّالي جديد. كانت أيضاً آلة تُعِدّ كل فرد فيها لدور محدد سلفاً، بدقة تكاد تكون صناعية. تُعدّ الفتاة، منذ طفولتها، لتكون زوجة صالحة: أن تتعلم الصمت حين يجب أن تصمت، وأن تتقن رعاية الزوج والأطفال والبيت دون أن يُسمّى هذا "عملاً" يوماً، فما دام الحب هو الاسم المعطى له، فلا داعي لأجر أو تقدير أو حتى اعتراف. وتُعدّ الأسرة الأبناء الذكور، في المقابل، ليكونوا عمالاً منتجين خارج البيت، يحملون اسم العائلة ويرثون ما تبقى من ملكيتها. لكن هذا التقسيم لا يعمل من فراغ، يحتاج وقوداً يومياً يُشغّله: من يطبخ للعامل، من يغسل ثيابه، من يربي أطفاله دون أن يتقاضى أجراً؟ هذا العمل المنزلي غير المدفوع، المرتبط تاريخياً بجسد المرأة تحديداً، هو الدعامة الخفية التي تجعل الأسرة قادرة أصلاً على أداء وظيفتها: إنتاج العمال، ونقل الملكية، وترسيخ الطاعة.

ومن هنا بالضبط بدأ سؤالي يتشكل: لماذا يشترط هذا النظام أن تكون امرأة، داخل بيت غيري "معياري"، من يقوم بهذا العمل تحديداً؟ ماذا لو كان مثلياً يُظهر أنوثته بلا خجل، أو امرأة عابرة، من يطبخ ويربي ويرعى؟ هل كان النظام سيقبل بذلك بذات السهولة، أم أن رفضه للكوير ليس فقط رفضاً أخلاقياً أو دينياً كما يُصوَّر لنا دائماً، بل خوفاً اقتصادياً صريحاً من كسر آلية لا تعمل إلا بهذا الترتيب بالذات؟ فأسرة لا تُنتج ورثة "شرعيين"، ولا تضمن دورة إنتاج وإنجاب متوقعة، لا تخدم النظام بذات الكفاءة، مهما بلغت درجة الرعاية والحب داخلها.

لم يكن هذا التحليل بالنسبة لي مجرد إطار نظري أقرأه في كتاب، كان مرآة لبيتي أنا، لأسئلة بدأت تتشكل عندي منذ الصغر، وستتضح أكثر لاحقاً حين بدأت العمل في المجتمع المدني والتنظيم. بناءً على هذا الفهم نفسه، طوّرت نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي فكرة أعمق: أن إعادة إنتاج قوة العمل ليست فعلاً بيولوجياً فحسب، إنها عملية اجتماعية واقتصادية كاملة، تقوم عليها في الغالب نساء يعملن بلا أجر داخل بيوتهن. الطبخ، والتنظيف، والرعاية، والاستماع، كل هذا عمل حقيقي يُبقي النظام الرأسمالي قائماً، لكنه عمل يُمحى من كل حساب اقتصادي لأنه "حب" لا "عمل".

وعند هذا التقاطع بالذات، بين السؤال الذي طرحته على نفسي وبين هذا الإطار النظري الأوسع، يصبح واضحاً لماذا الجسد الكويري تحديداً هو من يربك هذه الآلة أكثر من غيره: فهو جسد يرفض أن يتزوج بالشكل "المعياري"، أو ينجب بالطريقة "المتوقعة"، أو يبقى داخل حدود الرغبة "الطبيعية". ناقش المنظّر الكويري كيفن فلويد كيف يتشابك التراكم الرأسمالي مع تنظيم الجنسانية والجندر، مقترحاً أن الرأسمالية لا تكتفي باستغلال العمل، بل تحتاج أيضاً إلى ضبط الرغبة نفسها لتستمر. ووسّع نقد المثليين من ذوي البشرة السوداء أو الملوّنة هذا التحليل أكثر، بالسؤال: من يُسمح له أصلاً أن يكون "كويرياً" بأمان، ومن يُعاقب على الجندر والعرق والطبقة معاً في آنٍ واحد؟ هذا السؤال ليس نظرياً بالنسبة لمن عاش القمع في سوريا ودول جنوب العالم، حيث لا ينفصل جسد الكويري المهمّش عن جسد العامل المستغَل أو اللاجئ المطارَد، حيث القمع لا يأتي أبداً من باب واحد.

حين يعجز القمع، يبدأ التسليع

حين أدركت الأنظمة الرأسمالية، بعد انتفاضات التحرر الغربية، أنها لا تستطيع محو الكوير أو إسكاته تماماً مهما بلغت شدة القمع، لجأت إلى استراتيجية أكثر دهاءً: لم تعد تحاربه، بدأت تبيعه. أصبح شهر الفخر مناسبة تسويقية تتزين فيها واجهات الشركات بألوان قوس قزح لأسابيع معدودة، وتحولت رموز نضالية دفع الناس فيها حياتهم وحرياتهم إلى تصاميم على أكواب القهوة وقمصان الموسم. هذا ليس تحرراً، هو استيعاب. النظام، بعد ذلك، لم يمانع وجود الكوير طالما بقي مربحاً، "متنوعاً" بالقدر الذي يخدم صورة الشركة، ومتوافقاً في نهاية المطاف مع منطق التراكم لا مهدداً له. ما كان يوماً مطلباً جذرياً بالحرية الجماعية، صار الآن استراتيجية تسويق لشريحة استهلاكية جديدة.

تصف نانسي فريزر (فيلسوفة أميركية، وأستاذة الفلسفة والسياسة في The New School for Social Research في نيويورك، وعضو في هيئة تحرير مجلة New Left Review اليسارية المرموقة) هذه الحيلة بدقة حين تصف الرأسمالية بأنها "نظام أزمة"، نظام يعتمد بقاؤه على مجالات لا تخضع للسوق، كالرعاية والتكاثر الاجتماعي، لكنه في الوقت ذاته يُقوّض هذه المجالات باستمرار حتى يستطيع النمو. حين يتوسع النظام أو يواجه أزمته الدورية، فإنه لا يتراجع، بل يُعيد تنظيم هذه العلاقات لصالحه: يستقدم عاملات مهاجرات للرعاية بأجور بخسة، ويُسلّع العلاقة الحميمة نفسها عبر تطبيقات المواعدة والأسواق، ويحوّل مسؤوليات عاطفية كانت يوماً جزءاً من نسيج مجتمعي إلى عمالة مؤقتة غير مستقرة. الكويرية، حين تُصبح قابلة للتسويق، تخضع لذات المنطق: تُستوعب، تُنظّم، تُعاد صياغتها كمنتج، لا كتهديد.

لا ينفصل هذا المنطق عن سؤال أوسع حول من يدفع ثمن استمرار هذا النظام فعلياً. ملايين العاملات والعمال في بنغلاديش وفيتنام وإثيوبيا يخيطون الثياب التي تُباع بأضعاف أجورهم اليومية، ومناجم الكونغو تُستخرج منها المعادن التي تُشغّل هواتفنا وسياراتنا الكهربائية، بأجور بخسة وظروف عمل تكاد تكون استعباداً حديثاً. هذه ليست حوادث معزولة عن حديثنا عن الأسرة والتكاثر، هي الوجه الآخر لذات المنظومة: فكما تحتاج الرأسمالية أسرة نووية تُنتج عمالاً جدداً بلا كلفة، تحتاج أيضاً مناطق كاملة من العالم تبقى مصدراً دائماً لعمالة رخيصة لا تُسائل شروط عملها ولا تنظّم نفسها ضد من يستغلها.

من هنا يبدو منطقياً أن نسأل: هل استمرار الأزمات في منطقتنا، وتغذية الانقسامات الاجتماعية والدينية، ورفض قضايا الكوير والنساء (من العدالة في سوق العمل إلى الإجهاض والميراث والمساواة)، أمور معزولة عن هذا السياق الاقتصادي الأوسع؟ أرى أن نتيجة قمعها الممارَس على الفئات المفقرة والمهمشة تصب في مصلحة ذات المنظومة: فكلما بقي المجتمع مشغولاً بمعارك داخلية حول من يستحق الاعتراف ومن لا يستحقه، بقي بعيداً عن مساءلة النظام الأكبر الذي يُفقره أصلاً، ويحافظ على الأسرة النووية بوصفها المصنع الوحيد المتاح لإنتاج عمالة جديدة رخيصة. القمع، بهذا المعنى، ليس فقط أداة أيديولوجية أو دينية، هو أيضاً أداة اقتصادية تخدم استمرار تدفق العمالة والاستهلاك دون مقاومة منظمة.

من هذا التناقض بالذات، تنشأ أزمة لم أعشها فقط في الشارع، بل عشتها داخل صفوف اليسار نفسه. فكثير من الأحزاب والتنظيمات اليسارية التقليدية، حتى تلك التي ناضلنا معها كتفاً بكتف، ما زالت تنظر إلى قضايا الجندر والجنسانية على أنها مسائل "ثقافية" هامشية، لا مادية بما يكفي لتستحق موقعاً في صلب برنامجها السياسي. وفي المقابل، غالباً ما تكتفي السياسات المثلية السائدة بالمطالبة بالاعتراف داخل النظام نفسه الذي يُنتج اللامساواة أصلاً، لا بتغييره. وهنا يكمن التناقض المزدوج الذي تكشفه النظرية الكويرية والنسوية الراديكالية: لا يمكن أن يأتي التحرر من الاندماج في نظام عنيف، يجب أن يأتي من تغيير هذا النظام من جذوره.

هذا التغيير يتطلب إعادة تخيّل للتكاثر، لا كفعل بيولوجي محدود، بل كأشكال من الرعاية الاجتماعية والعاطفية والجماعية تعيش خارج منطق الربح. أن نبني مجتمعات لا يتوسط فيها البقاء والانتماء، لا الأسرة النووية الرأسمالية، ولا العمل المأجور على حق الحريات أو العمل غير المأجور، ولا الاستهلاك. حين تصبح نضالات المثليين والنسويات جذرية بما يكفي، فإنها تُشير إلى أفق مختلف تماماً: أفق تحل فيه الألفة والتضامن والترابط محل الملكية والربح. الكويرية، بهذا المعنى، ليست هوية نطالب بالاعتراف بها فحسب، إنها الممارسة السياسية لإلغاء الطريقة الرأسمالية في الحب والإنتاج والوجود.

لماذا ترفض الرأسمالية المثلية الجنسية: السياق السوري

في ظل نظام الأسد، لم يكن وجود الكوير مجرد أمر مُجرّم قانونياً، كان مسرحاً لسردية كاملة: صُوّرت الكويرية بوصفها "تدخلاً أجنبياً"، دعاية غربية تستهدف زعزعة استقرار "المجتمع الأصيل"، وكرّرت وسائل الإعلام والخطاب الثقافي الخاضعان لسيطرة الدولة هذه الرواية حتى تحوّل وجودنا نفسه، في عين الدولة، إلى فعل تخريبي. لم يتوقف هذا حتى أثناء الثورة، حين كنا نقف في نفس الصفوف مع من يهتفون ضد النظام، تعرّض نشطاء كوير للاعتقال والتعذيب والقمع الممنهج، لا لأنهم شاركوا في الثورة، بل لأنهم شاركوا فيها وهم كوير.

سقوط قبضة الأسد المركزية لم يفتح المشهد كما توقع كثيرون. الحكومة الحالية، المتأثرة بأيديولوجيا إسلامية محافظة، فرضت معايير اجتماعية صارمة لا تقل قسوة، بل تعكس أحياناً شدة السيطرة التي مارستها الفصائل الأكثر تطرفاً خلال سنوات الثورة نفسها. وجدت مجتمعات الكوير، والنشطاء اليساريون، وجماعات العمال أنفسهم أمام نقاط ضعف متشابكة: تمييز قانوني، وعداء اجتماعي، وهشاشة اقتصادية، وتهديد مستمر بالعنف، وقمع مزدوج، استبدادي وأصولي معاً، تتقاطع فوقه ضغوط الرأسمالية العالمية التي تستحوذ على وجودنا وتُسلّعه من جهة أخرى تماماً.

ومع ذلك، ومن قلب هذا التقاطع بالذات، طوّرت مجتمعات الكوير السورية أدوات للبقاء لم تكن دفاعية فقط، كانت تحويلية بذاتها. أصبحت الشبكات السرية، والمساحات الآمنة، والتحالفات العابرة للحدود ضرورة يومية لا رفاهية تنظيمية. تشكلت ما نسميها فيما بيننا "عائلات الكوير"، وسيلة رعاية غير رسمية تعزز حضورها منذ سبعينيات القرن الماضي، تضم عابرة أو مثلياً أو مجموعة قادرة على استيعاب رفاقها، تمنحهم الأمان والعاطفة التي قد يفقدونها في مجتمعاتهم الأصلية أو أسرهم البيولوجية. ومبادرات مثل "QMA Lebanon" قدّمت مساعدة متبادلة سرية للاجئين وللمقيمين في لبنان، وهي فكرة أثبتت أهميتها وضرورة الاستفادة منها، وربما تطبيقها في سياقات ثانوية. شبكة رعاية موازية لا تنتظر اعترافاً من دولة ولا شرعية من نظام. هذه ليست ممارسات هامشية على نضالنا، هي النضال نفسه: استعادة للرعاية والإنجاب والحياة العاطفية خارج كل إطار تسيطر عليه الدولة أو السوق.

وكما يكتب المنظّر الكويري خوسيه إستيبان مونوز (منظّر كويري كوبي المولد، عاش وعمل في الولايات المتحدة، ورأس قسم دراسات الأداء في جامعة نيويورك حتى وفاته المفاجئة عام ٢٠١٣ عن عمر ٤٦ عاماً)، فإن الكويرية أفق من الإمكانيات لا واقع حاضر فحسب، وطريقة لتخيّل عالم لم يُبنَ بعد، بديل جماعي وأخلاقي عن أنظمة السلطة القائمة. لا يمكن اليوم في سوريا فصل نضال الكوير عن النضالات الأوسع من أجل العدالة الاجتماعية. بدون تضامن حقيقي بين هذه الحركات، تبقى كل مجموعة عرضة لأن تصبح هدفاً سهلاً لأيديولوجيات متطرفة أو قمع الدولة على حدة. فالرأسمالية، في نهاية المطاف، لا ترفض الكويرية بدافع تحيز عابر، ترفضها لأنها تكشف اعتماد النظام كله على إعادة إنتاج معيارية، وعمل منضبط، وسيطرة أيديولوجية؛ وفي الوقت ذاته تحاول تحييد هذا التهديد بابتلاعه وتسليعه. لكن الممارسات النسوية الكويرية الراديكالية، اليافعة الآن في سوريا (الداخل)، يجب عليها استعادة الحياة من هذه القيود، مُصرّة على أن التحرر لا يكتمل إلا حين تتحقق الحرية الاقتصادية والجنسية معاً.

المقاومة الكويرية كممارسة ثورية

في أعقاب الثورة والقمع على حد سواء، ومع إعادة بناء هياكل السلطة تحت مسميات جديدة، رغم أننا كيسار نشير إلى السلطة الحالية في دمشق بنظام "الثورة المضادة"، وهذا ما يجدر بباقي حركات التحرر وصفها به؛ لا تزال المقاومة الكويرية في سوريا قائمة، ليس كحركة محددة بمقر أو قيادة، بل كممارسة حية نعيشها يومياً، وربما كانت، وإلى الآن، تأخذ أشكالاً أكثر تنظيماً من خلال حركات مثل "سين للإنصاف" أو "حراس المساواة". أن تكوني كويرية في مثل هذا المشهد لا يعني فقط أن تحبي بطريقة مختلفة، بل أن تعيشي بطريقة مختلفة، أن تُصرّي على أسلوب حياة مختلف بينما كل نظام من حولك، سياسي وديني وعائلي واقتصادي، يطالبك بالطاعة والتوافق. أذكر كم مرة سمعت من حولي أن مجرد الاستمرار، مجرد أن تستيقظي كل صباح وتقرري أنك ما زلتِ أنتِ، هو فعل مقاومة كامل في حد ذاته، لا يحتاج شعاراً ولا مسيرة ليكون سياسياً.

لم أفهم "الكويرية" يوماً كهوية جنسية بالمعنى الضيق فحسب. هي أقرب لرؤية عالمية، طريقة تفكير وشعور ومقاومة ترفض أسس الهيمنة نفسها، لا تسمية شخصية بقدر ما هي فلسفة سياسية، ممارسة ثورية لإلغاء الأنظمة التي تُصر على تقسيم الحياة إلى ثنائيات جامدة: ذكر وأنثى، أخلاقي ولا أخلاقي، شرق وغرب، حاكم ومحكوم. هذا التقسيم الثنائي ليس بريئاً؛ فهو الأداة التي يُنظّم بها كل نظام قمعي رعاياه، لأن حكم مجتمع مقسّم بوضوح إلى فئتين متقابلتين أسهل بكثير من حكم مجتمع يرفض أصلاً فكرة أن يُصنَّف. حين ترفضين، بجسدك وحياتك اليومية، أن تستقري داخل خانة واحدة، فأنتِ لا تطالبين فقط بمكان لك ضمن الثنائية، أنتِ تسحبين البساط من تحت الثنائية نفسها. بهذا المعنى، تصبح الكويرية مسرحاً للخيال الثوري، مقاومة لا تكتفي بالاحتجاج، بل ترفض التبسيط نفسه، ترفض منطق الرأسمالية والاستبداد معاً، وكلاهما يحتاج التسلسل الهرمي والانضباط وإعادة الإنتاج ليستمر. العيش الكويري في ظل القمع هو، إذن، ممارسة إلغاء جذري، لا للقوانين القمعية وحدها، بل للفئات ذاتها التي تُغذّي السلطة من خلالها.

هذا ما كانت تقصده أودري لورد، الشاعرة والمفكرة السوداء المثلية، حين كتبت أن رعاية الذات ليست انغماساً فردياً، بل فعل حرب سياسية. كتبتها وهي تصارع مرضاً قاتلاً، تعرف أن جسدها، الأسود والمثلي معاً، لم يكن العالم من حوله يوماً مستعداً لحمايته أو الاعتناء به، فقررت أن تفعل ذلك بنفسها، ورأت في هذا القرار وحده تمرداً. بالنسبة لنا كسوريين كوير، هذه الحرب هادئة لكنها لا هوادة فيها: إصرار على الرقة في عالم مُنظّم حول العنف، وإعلان أن الرعاية بحد ذاتها فعل ثوري. في لحظات انهيار الدولة وتآكل الثقة الاجتماعية، أعادت شبكاتنا الكويرية والنسوية بناء معنى المجتمع، ليس بالخطابة، بل بأفعال بسيطة تكاد تكون صامتة: ملجأ غير رسمي يُفتح باب بيته لغريب يحتاج مكاناً لليلة، مجموعة دردشة مشفرة تتحقق من سلامة الجميع بعد كل حادثة أمنية، تجمع سري في بيت أحدهم لأن المقاهي لم تعد آمنة، تحالفات عابرة للحدود تُرسل مساعدة لمن لم تعد لديه عائلة يلجأ إليها. الإطعام، والمأوى، والاستماع، كل هذا أصبح شكلاً من أشكال الثورة، لأن التضامن هنا ليس ملحقاً بالنضال السياسي، هو النضال نفسه. كل وجبة مشتركة، كل سرّ مخبأ، كل بادرة تعاطف في المنفى، جزء من بنية تحتية أوسع للبقاء، بنية لا تظهر في أي تقرير أو إحصائية، لكنها ما أبقانا أحياء فعلياً حين عجزت كل المؤسسات الرسمية عن ذلك.

لكن هذه المقاومة نادراً ما اتخذت شكل الظهور. غالباً ما تُساوي الأطر الليبرالية الغربية بين الحرية والظهور، أن يُرى المرء ويُعترف به ويُسمّى بوضوح، وكأن الخروج من الخزانة فعل تحرري عالمي واحد يصلح لكل سياق. لكن بالنسبة لنا كسوريين كوير، قد يكون الظهور شكلاً من أشكال الانكشاف، خطراً يستدعي عنف الدولة والمجتمع معاً، لا احتفاءً ولا تضامناً. لهذا طوّرت مساحاتنا الكويرية في سوريا والعراق ولبنان، منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وحتى أواخر عام ٢٠١٨، لغة مشفرة نُسمّيها فيما بيننا "المطمطشيت"، تستبدل أو تضيف أحرفاً داخل الكلمات حتى تصبح غير مفهومة لمن هو خارج السياق، لغة لا يمكن فك رموزها إن لم تكوني قد تعلمتِها من الداخل، بالممارسة، لا بقاموس. كانت هذه اللغة، لسنوات طويلة، وسيلتنا الوحيدة للحديث عن الجسد والرغبة وما هو خاص بنا، بصوت عالٍ وفي مساحات عامة، في مقهى أو باص أو شارع مزدحم، دون أن يُفهم كلامنا أو يُشك بأمرنا. كانت حرية غريبة، أن نتكلم بصوت مسموع عن أشياء ممنوعة، محميين فقط بجدار من الأصوات المتشابهة حولنا لا تفهم لغتنا. هذا بالضبط ما وصفه المفكر الكاريبي إدوارد غليسان بـ"الحق في التعتيم": أن يكون للمرء حق الوجود دون تفسير، حق الحفاظ على اختلافه دون الاستسلام لنظرة السلطة التي تريد أن تفهمه لتُخضعه. طالب غليسان بهذا الحق أصلاً من موقعه كمفكر من الكاريبي، حيث واجه شعبه إلحاح الفكر الاستعماري الغربي على "الشفافية" الكاملة، كأن معرفة الآخر بالكامل شرط لقبوله، بينما هذا الإلحاح نفسه كان أداة هيمنة لا إنصاف. ونحن، بلغتنا المشفرة وصمتنا المختار، كنا نمارس نفس هذا الحق دون أن نعرف اسمه النظري، رفضاً لأن نكون واضحين لأنظمة المراقبة، اختياراً أحياناً وليس صمتاً: متى وكيف ولمن نظهر. وغالباً ما تجلّت مقاومتنا في طبقات، في فن يحمل معاني مزدوجة، في موسيقى تنتقل رقمياً عبر الحدود، في فكاهة تُخفي نقداً لاذعاً، في لحظات ضحك مشترك وسط الدمار. الغيب، بهذا المعنى، أصبح أرضاً للمقاومة بقدر ما كان الشارع المساحة التي تحتضنها.

ثورات مترابطة

كأننا خرجنا من غرفة مغلقة لندخل أخرى، تغيّر لون جدرانها فقط، بينما بقي القفل، كما هو، من الخارج. بين نظام علماني استبدادي حكم بالخوف عقوداً، ونظام جديد يستمد شرعيته من خطاب أخلاقي وديني، وجد السوريون الكوير أنفسهم واقعين بين هيمنتين متداخلتين، لا تختلفان في جوهرهما إلا بالمبرر الذي تستعملانه لإسكاتنا وسلبنا حق الوجود والمواطنة. وربما هذا بالضبط ما يجعل من الصعب اليوم أن نفصل نضالنا عن أي نضال آخر في هذا البلد: المخفيين قسراً، والمختطفات، واللاجئين الداخليين، والحق الدستوري؛ فحين يتغير اسم السجّان فقط، يصبح واضحاً أن المشكلة لم تكن يوماً في الاسم. في هذه المرحلة من تاريخ سوريا، لا يمكن فصل نضالات الحركات الكويرية والنسوية والعمالية عن بعضها؛ فالفقر والنظام الأبوي والقمع يُشكّلون شبكة هيمنة واحدة، وتحدي أحدها دون الآخرين ليس تحرراً، بل إعادة إنتاج للنظام نفسه تحت مسمى مختلف، ناهيكِ عن تشتت طبقاتنا الجماهيرية الداعمة ومجهودات الحشد "لوبينغ".

لهذا تتوافق مقاومتنا مع أخلاقيات الثورة الأوسع، لا من خلال سياسات هوية ضيقة نطلقها على أنفسنا وغيرنا، بل من خلال ظروف مشتركة من الهشاشة والأمل نعيشها جميعاً: النضال من أجل الاستقلال الجسدي، وحرية التعبير، وكرامة العمال، والتحرر الجنسي، كلها جبهات لثورة واحدة، لا ثورات متجاورة. هذا الترابط يبني أفقاً سياسياً جديداً: إصراراً جماعياً على أن الثورة لا تكتمل إذا تركت وراءها جسداً واحداً. تُبقي الحركات الكويرية والنسوية الوعد الثوري مفتوحاً بينما أغلقه من حولنا كثيرون، وتُذكّر من نسي أن الحرية لا يمكن أن تكون جزئية أو مختزلة، وأن الرعاية والتضامن والخيال أصدق مقاييس التحرر من أي شعار آخر.

مقاومة الكوير في سوريا ليست فقط رد فعل على عنف عشناه، هي بذرة عالم كنا نتخيله في الظل منذ عقود طويلة، قبل أن يتولى حزب البعث زمام السلطة أصلاً. في أيام أم كلثوم وفيروز وأسمهان وفريد الأطرش، في قصائد نزار قباني ومحمود درويش وروايات كنفاني، كان هناك دائماً من يتخيل عالماً مختلفاً، ولو لم يُسمِّه أحد "كويرياً" أو غيره يوماً. ربما لهذا نعود إلى أصواتهم كلما أردنا أن نتذكر أن الحلم بعالم آخر ليس اختراعاً حديثاً، بل امتداد لخيط طويل من الرفض الهادئ سبقنا بعقود. كل رسالة مشفّرة، كل فعل اهتمام صغير، كل قصيدة أو عمل فني أو حتى رفض صامت، ساهم في إبقاء هذه الثورة حية كعملية مستمرة لا كحدث انتهى أو ينتهي.

وحتى في المنفى، لا تتوقف هذه الممارسات. تُشكّل تضامنات عابرة للحدود الوطنية تتحدى الحدود والأنظمة معاً. الثورة، بالنسبة لنا، لم تعد فقط في الشوارع، غدت في الطرق التي نبني بها وطناً جديداً في ومن المنفى، في الطرق التي نُعلّم بها بعضنا الاهتمام رغم المسافات، في الطرق التي نُحوّل بها حزننا المشترك إلى قوة جماعية بدل أن يُترك كل منا وحيداً بحاله. أن تكوني كويرية وثورية يسارية في سوريا اليوم يعني أن تؤمني، بعناد يفوق كل منطق، بأن الحياة يمكن أن تُعاش بطريقة مختلفة، وأن الرقة يمكن أن تكون سلاحاً، وأن الاهتمام يمكن أن يكون استراتيجية، وأن الخيال نفسه، رغم بساطته الظاهرة، قد يكون الفعل الأكثر جذرية في المقاومة كلها.

التضامن، والرعاية الجماعية، والمستقبل الثوري

بعيداً عن الاستفاضة، إن التحول الثوري لا ينبثق من نضالات معزولة، هو ينمو في المساحات التي تتقاطع فيها الرعاية والتضامن والمقاومة المشتركة، حيث يصبح البقاء الفردي ممارسة جماعية. هنا تلتقي الكويرية والسياسات اليسارية، ليس كحليفتين تتفقان على هدف مشترك من الخارج، بل كمشاركتين في صياغة أفق واحد: رؤية للتحرر تُفكك كل هرمية، اقتصادية وجنسانية وجنسية وسياسية معاً. لطالما سعى اليسار إلى إلغاء الاستغلال المادي والهيمنة الطبقية، وفي الوقت نفسه استهدفت الحركات الكويرية هياكل السلطة الأكثر حميمية: الجسد، والرغبة، والأسرة، والهوية، حيث تُمارَس السيطرة يومياً وبصمت. واحدة من دون الأخرى، لا يكتمل أي مشروع سياسي. تفكيك الرأسمالية دون مواجهة النظام الأبوي والمعيارية الجنسية هو فقط إعادة إنتاج للقمع بشكل جديد، أو تحرير مجموعة على حساب أخرى، وتحرير الجنسانية دون تغيير البنى الاقتصادية والسياسية هو ترك أسس الهيمنة كما هي، بلا لمسة.

بهذا المعنى، لا تتوافق الكويرية مع ثورة اليسار فقط، هي تُكملها. تمتد بالعدالة من عالم الإنتاج، حيث يركّز التحليل الماركسي التقليدي، إلى عالم التكاثر، إلى كيف نتواصل ونرعى بعضنا ونتخيل مجتمعاً مختلفاً. تتحدى سياسات الكوير الثنائيات ذاتها التي تعتمد عليها الرأسمالية والاستبداد: ذكر/أنثى، منتج/مستهلك، عادي/منحرف، شرق/غرب، حاكم/محكوم. أن تكوني كويرية لا يعني فقط مقاومة معايير جنسية بعينها، بل مقاومة كل نظام شمولي يقرر بنفسه ما هو شرعي أو منتج أو حتى إنساني. وكما كتبت بيل هوكس، المنظّرة النسوية السوداء، فإن الحب والرعاية ليسا فعلين عاطفيين خاصين، بل خيارين سياسيين يقاومان الهيمنة كلما اختيرا بوعي. هذا يعني أن تحرير الكوير لا ينفصل عن تحرير الفقراء والعمال والنازحين والمسجونين، وأن كل نضال ضد الاستغلال، في المصنع أو المطبخ أو الفضاء الرقمي، يرتبط بخيط واحد: رفض السماح لأي نظام يحكم بتحديد حدود الحب والعمل والانتماء.

عملياً، هذا يعني بناء جسور بين حركات قُسّمت طويلاً على أساس الهوية أو الأيديولوجيا أو الطبقة. يعني أن يقف الناشطون المثليون والنسويات إلى جانب النقابات العمالية والمزارعين واللاجئين، لا كحلفاء من الخارج، بل كجزء من جبهة واحدة. ويعني أيضاً أن تتبنى الحركات اليسارية الكويرية ليس كـ"قضية جانبية" تُضاف عند الحاجة، بل كنقد أساسي لكل أنظمة الهيمنة، بما فيها تلك التي تُعاد إنتاجها داخل الفضاءات الثورية نفسها دون أن نلاحظ.

وهنا، بالضبط، يكمن الجزء الأصعب من هذا التضامن، الجزء الذي نتحدث عنه أقل مما يجب: التضامن الحقيقي لا يعني التماثل، ولا يعني إصدار شهادة حسن سلوك لبعضنا لمجرد أننا نقف في الجبهة نفسها. يعني الالتزام المشترك بالتغيير، حتى حين يبدأ هذا التغيير بنا أولاً. كثيراً ما رأيت رفاقاً في اليسار يتحدثون بحماس عن تحرر الطبقة العاملة، بينما تتكرر في اجتماعاتهم عادات أبوية لا يُسائلها أحد: من يتكلم أولاً ومن يُقاطَع، ومن تُؤخذ فكرته بجدية ومن تُستقبل بابتسامة مهذبة فقط. وكثيراً ما رأيت أيضاً داخل مساحاتنا الكويرية نفسها امتيازات طبقية لا تُسمى بالاسم: من يستطيع تحمّل تكلفة "الظهور" ومن لا يستطيع، من يملك جوازاً يسمح له بالسفر والمنفى الآمن ومن يبقى محاصراً، من يتحدث الإنجليزية في مؤتمر دولي ومن لا صوت له هناك أصلاً. وفي الأوساط النسوية أحياناً، رأيت تحيزات تجاه العابرات أو تجاه المثليين الفقراء لم تُغادر بعد، رغم كل الخطاب عن الأخوة والأختية الشاملة. هذه ليست تفاصيل هامشية نتجاهلها من باب اللباقة أو الحرص على وحدة الصف، هي بالضبط ما يجعل تضامننا هشاً كل مرة يتعرض فيها لضغط حقيقي. فالتضامن الذي يرفض أن يرى عيوبه ليس تضامناً، هو مجرد شعار جماعي آخر، وقد ينهار في اللحظة التي يحتاج فيها أحدنا للآخر أكثر مما اعتقدنا. لا يتحقق مستقبل ثوري ممكن إلا من خلال هذه الرعاية الصادقة، التي لا تجامل أحداً، بما فينا نحن أنفسنا، ويجب أن نقبل أن نكون، نحن قبل غيرنا، موضوع النقد الذي نوجهه للعالم.

نحو سياسة جذرية للرعاية والتحرر

حلم الثورة، كما تعلمت أن أفهمه بعد كل هذه السنوات، ليس هروباً من العالم، هو إصرار على أن ثورة أخرى ممكنة، ثورة تولد من شقوق ما هو موجود بالفعل، لا من عالم مثالي نتخيله من بعيد. نضال الكوير، حين يقترن بالأفق التحرري لليسار، ليس ادعاء هوية ولا زاوية صغيرة في برنامج سياسي أكبر. هو أسلوب حياة كامل، رفض واعٍ لإعادة إنتاج ما يقتلنا يومياً: النظام الأبوي، والرأسمالية، والاستعمار، وحروبهم التي لا تنتهي على أجسادنا وحياتنا.

نحن لا نطالب باستيعابنا داخل عالم كما هو. نحن نبني عالماً تصبح فيه فكرة "الاستيعاب" نفسها بالية، لأنه لن يُستبعد فيه أحد أصلاً ليحتاج إلى استيعاب. يشترك الكويري والثوري في رفض واحد، ونفاد صبر واحد تجاه كل تنازل يُطلب منا باسم "الواقعية"، وتوق واحد للتحرر، لا يجب أن يفصل الحب عن العدالة، ولا الحميم عن السياسي.

من بين أنقاض الأنظمة الاستبدادية، ومن أطراف عنف نيوليبرالي لا يهدأ، بدأنا بالفعل. كل فعل رعاية يتحدى الإهمال، كل تجمع يقاوم التشرذم، كل جسد يصر على أن يعيش بكامل طاقته رغم كل ما يُقال له، هذه كلها شظايا من الثورة ذاتها. أن تكوني مثلية يعني أن تتذكري، حتى في أحلك اللحظات، أن العالم ما زال بإمكانه أن يكون مختلفاً. أذكر نفسي والنساء العابرات اللواتي حملن علم الترانس في مسيرات ٨ آذار في شوارع بيروت، حيث غدت المشاركة العلنية حقاً يمكن انتزاعه، وأفهم الآن أن ما فعلناه لم يكن لحظات عابرة غرقنا فيها بمحاولات الاعتراف، كان بروفة لعالم لم يُبنَ بعد.

هذه دعوة جماعية. النضال ليس فردياً، هو ملك لكل عامل وكل نسوية وكل معارض وكل منفي يدرك أن التحرر لا يمكن انتزاعه بالقوة وحدها. يجب أن يُبنى معاً، بالحنان والغضب والغناء والتنظيم، دفعة واحدة، لا كل عنصر منفصلاً عن الآخر. لا أريد أن أتحدث عن المثلية كاستعارة بعد اليوم، أريد أن أتحدث عنها كحركة حية. لا أريد أن أتحدث عن الثورة كحدث انتهى أو لم يبدأ بعد، أريد أن أتحدث عنها كعلاقة نبنيها يومياً. ما نبنيه ليس حلماً مؤجلاً لمستقبل بعيد يا رفاق، هو حلم يُحققه كل يوم أولئك الذين يرفضون أن يختفوا.

الثورة ليست قادمة، هي بالفعل في حركة، في كل فعل رعاية جماعي، وفي كل مؤامرة أمل تُهمس بين رفيقين في الظلام.

أيلول 2026 – دمشق، العاصمة

قائمة المراجع

مراجع نظرية

  1. Engels, Friedrich. أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة. النص الكامل بالعربية: https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1884/index.html
    نسخة بديلة: https://www.hindawi.org/books/86907157/
  2. Floyd, Kevin. The Reification of Desire: Toward a Queer Marxism. University of Minnesota Press, 2009.
    https://www.upress.umn.edu/9780816643967/the-reification-of-desire/
  3. Fraser, Nancy. Cannibal Capitalism: How Our System Is Devouring Democracy, Care, and the Planet—and What We Can Do About It. Verso, 2022. مقال ذو صلة: "Crisis of Care?" New Left Review 100 (2016).
  4. Federici, Silvia. Wages Against Housework. Power of Women Collective / Falling Wall Press, 1975.
  5. Muñoz, José Esteban. Cruising Utopia: The Then and There of Queer Futurity. NYU Press, 2009.
  6. Lorde, Audre. A Burst of Light: And Other Essays. Firebrand Books, 1988.
  7. Glissant, Édouard. Poetics of Relation. Trans. Betsy Wing. University of Michigan Press, 1997. الأصل الفرنسي: Poétique de la Relation, 1990.
  8. hooks, bell. All About Love: New Visions. William Morrow, 2000.

مساحات ومبادرات مجتمعية مُشار إليها في النص

  • جمعية "حلم" (لبنان) — تأسست إثر واقعة القاهرة ٥٢ (٢٠٠١).
  • المنتدى الاشتراكي / زيكو هاوس (بيروت): https://www.facebook.com/SocialistForum/
  • القوس (فلسطين).
  • عراق كوير (العراق).
  • سين للإنصاف، حراس المساواة (سوريا).
  • QMA Lebanon.
  • مظاهرات ٨ آذار (فيديوهات منشورة).

‍