SEEN

November 2, 2026

ذاكرتنا

نحن الموتى

سياسات الموت والسيادة على أجساد العابرات وحقّهن في الحداد

حسنا العجيلي
Back to archive

لم تنتهِ حكاية ليلى صوان، الناشطة السورية العابرة للنوع الاجتماعي، عندما عُثر عليها متوفاة في شقتها بدمشق في حزيران/يونيو 2026، وقبلها بعامين، قُتلت تالا بركات، وهي امرأة سورية عابرة لاجئة في لبنان. فقد تمضي المرأة العابرة حياتها وهي تدافع عن هويتها، ثم تفقد القدرة على الدفاع عنها في اللحظة التي تنتقل فيها القرارات المتعلقة بجثمانها إلى أشخاص ومؤسسات أخرى.

قد تختلف ظروف الوفاتين، لكن جانباً آخر من الصراع المستمر على أجساد النساء العابرات ينكشف في لحظة الموت، فهو لا يسلبنا القدرة على الدفاع عن أجسادنا فحسب، بل قد يضع أسماءنا وصورنا وعلاقاتنا، وحتى طقوس وداعنا، تحت سلطات تمتلك القدرة على فرض تصورات مختلفة عمّن كنّا، وكيف ينبغي أن نتذكّر.

أكتب عن ليلى وتالا لأنني أرفض أن يكون الموت اللحظة التي تُنتزع فيها من المرأة العابرة هويتها مرة أخرى. وأكتب أيضاً عن الحداد الذي نحمله نحن، وعن الصديقات اللواتي يجدن أنفسهن مطالبات بالدفاع عن أسماء من فقدنهن، وعن العائلات التي نصنعها ونختارها. لا أتعامل مع العائلة والدولة والدين بوصفها سلطات متجانسة تمارس العنف دائماً، ولا مع العائلة المختارة بوصفها فضاءً مثالياً يخلو من التناقضات. ما أحاول فهمه هو الكيفية التي تتداخل بها هذه السلطات والعلاقات، وكيف يُعاد توزيع الحق في الجسد والذاكرة والحداد بعد الموت.

السيادة والموت

لا تُمارَس سلطة الموت عبر القتل المباشر وحده، بل أيضاً عبر الشروط التي تجعل بعض الناس أقل قدرة على العيش بأمان.لا يعني ذلك أن حياة النساء العابرات ليست سوى سلسلة من المعاناة. فنحن نطور ونبني علاقات قائمة على الرعاية، ونتفاوض مع الشروط التي تحاول تقييد وجودنا. لكن قدرتنا على الفعل لا تعفي المؤسسات من مسؤوليتها عن إنتاج الظروف التي تجعل بعض الحيوات أكثر عرضةً للخطر.

وهنا تميّز أصلي زينغين بين الوفاة التي تنسجم مع الترتيبات الاجتماعية السائدة، حيث تتعاون العائلة والمؤسسات القانونية والدينية والمجتمع لتنظيم الدفن والحداد، وبين ما تسميه «الموت المتجاوز للمعايير»، الذي قد يكشف تصدّعات في هذه الترتيبات.

في حالات الوفاة التي تتعارض فيها هوية المتوفاة كما عاشتها مع التصنيفات التي تمنحها المؤسسات " الشرعية"، يتحوّل الجثمان إلى موقع تتداخل فيه سيادات متعددة. فالدولة تملك سلطة الوثائق والإجراءات، والعائلة تتمتّع بموقع اجتماعي وقانوني مميّز، والمؤسسات الدينية تشارك في تنظيم طقوس الموت، بينما تطالب الصديقات بحقهنّ في الرعاية والوداع.

ويظهر شيء من هذا التنازع في اختلاف رثاء ليلى بين عائلتها البيولوجية وأصدقائها وزملائها، وفي الدور الذي أدّاه أصدقاء تالا في المطالبة بدفنها. إذ لا يشكّل موت النساء العابرات السوريات نهايةً للعنف المُمارَس على أجسادهنّ، بل قد يمثّل بداية مرحلة جديدة من التفاوض والصراع حول من يمتلك الحق في تعريف الجسد، وتسميته، والحداد عليه، ودفنه، وتخليد ذكراه. ففي لحظة الموت، لا يخرج جسد المرأة العابرة من علاقات السلطة، بل يدخل في شكل آخر منها.

‍

ليلى صوان

ليلى صوان ناشطة سورية عاشت سنوات من المنفى بين الأردن وتركيا والأرجنتين. وفي الأرجنتين، عملت على توسيع الفرص الاقتصادية والمهنية للأشخاص العابرين، وتولّت الإدارة التنفيذية لمؤسسة Trans-IT، التي ركّزت على التمكين الاقتصادي لمجتمع العابرين من خلال التدريب والمنح وفرص العمل. ربطت ليلى تجربتها بالانتماء إلى مجتمع من النساء اللواتي يتشاركن المعرفة والرعاية والتضامن.

عادت ليلى إلى سوريا عقب سقوط نظام الأسد. وفي 26 حزيران/يونيو 2026، عُثر عليها متوفاة في شقتها بدمشق. لم تتضح ملابسات وفاتها، لكن الغموض لم يكن وحده ما رافق رحيلها.

أفكّر في عودة ليلى باعتبارها جزءاً مهماً من قصتها. فقد عاشت في المنفى سنوات استطاعت خلالها أن تبني حياة باسمها وهويتها. لكن العودة إلى بلد المنشأ لا تعني بالضرورة أن العلاقات والاعترافات التي بنتها في المنفى تنتقل معها بالطريقة نفسها.

عندما طلبت إحدى صديقات ليلى مساعدتي في البحث عن مزيد من التفاصيل المتعلقة بوفاتها، لجأتُ إلى فيسبوك، وهي منصة لا تزال كثير من العائلات السورية تستخدمها لنشر إعلانات الوفاة. وجدتُ نعي ليلى منشوراً «باسمها الميت»، وفق الصيغة التقليدية التي تتبعها العائلات السورية في إعلانات الوفاة. وأُرفق النعي بصور لها تعود إلى مراحل سابقة من حياتها.

استُخدم في النعي الاسم الذي لم تكن ترغب في استخدامه، بينما استذكرها أصدقاؤها باسمها الذي اختارته لنفسها، وبوصفها امرأة عابرة تركت أثراً في حياتهم وفي المجتمعات التي عملت معها. لا أريد اختزال رثاء ليلى في عائلة تمحو هويتها وأصدقاء يعترفون بها. فالحزن والمحبة والسلطة قد تتعايش داخل العلاقة نفسها، ولا يمكن اختزال تعقيد هذه العلاقات في مواجهة بسيطة بين الاعتراف والإنكار.

ما يهمني هنا هو أن وفاة ليلى سلبتها القدرة على التدخّل في الطريقة التي قُدّمت بها هويتها للآخرين. فقد امتلكت خلال حياتها القدرة على تسمية نفسها وبناء علاقاتها باسمها الذي اختارته، لكن هذه القدرة لم تعد مضمونة بعد وفاتها.

ولا ينفصل الصراع على الاسم عن الصراع على المعرفة، في وقت تتوزّع فيه المعلومات المتعلقة بظروفها الأخيرة بين أشخاص ومؤسسات مختلفة: عائلتها البيولوجية، والمشفى الذي نُقلت إليه، والجهات الشرطية المعنية، ومؤسسات السجل المدني التي تتولّى توثيق الوفاة. يمتلك كل طرف، بحكم موقعه وعلاقته بها، أجزاءً مختلفة من المعلومات المتعلقة بحياتها وظروف وفاتها، بينما يواصل أشخاص آخرون، من صديقاتها وأحبّائها، محاولاتهم لمعرفة ما حدث لها وفهم تفاصيل ساعاتها الأخيرة.

لا أملك ما يثبت أن صديقات ليلى استُبعدن من أي تحقيق، أو أن عائلتها أو الجهات الرسمية أخفت معلومات عن وفاتها. لكنني أرى ضرورة الاعتراف بأن المعرفة بحياة الشخص لا تُختزل في الوثائق الرسمية أو روابط القرابة البيولوجية. فالصديقات اللواتي شاركن ليلى حياتها قد يحملن معرفة مهمة عنها، حتى عندما لا يتمتّعن بصفة قانونية معترف بها.

هنا أجد أن عليّ التمييز بين نوعين من المعرفة لا يمكن لأحدهما أن يحلّ محل الآخر. فالمؤسسات الطبية والقضائية تستطيع، من خلال اختصاصاتها وإجراءاتها، جمع أدلة تساعد على تحديد أسباب الوفاة وملابساتها. أما الصديقات والأشخاص الذين شاركوا ليلى حياتها، فقد يعرفون تفاصيل عن علاقاتها واحتياجاتها وخياراتها لا تظهر بالضرورة في هذه الوثائق. وهنا يمكن أن تجعل هذه المعرفة الحميمية أصحابها جزءاً مهماً من فهم حياة المتوفاة ومن السياق الذي وقع فيه رحيلها.

تالا بركات

في 13 أيار/مايو 2024، عُثر على جثمان تالا بركات في منطقة الدورة شمال بيروت. وبعد أيام، أعلنت قوى الأمن الداخلي اللبنانية توقيف شخصين على خلفية جريمة قتلها، وقدّمت رواية تفيد بأن الجريمة وقعت نتيجة شجار على خلفية جنسية.

لكن جمعية «حلم» وضعت الجريمة في سياق أوسع من الاعتداءات والتهديدات والابتزاز التي أفادت نساء عابرات في منطقتَي الدورة وبرج حمود بتعرّضهن لها، بما في ذلك ممارسات فرض الإتاوات والعنف.

كما وردت معلومات عن انتهاك حرمة جثمانها وتصويره. ومن خلال الطريقة التي تناولت بها وسائل الإعلام مقتل الفقيدة، والخوض في دوافع الجريمة ومهنتها، ومن خلال تصوير الجثمان وانتهاك حرمته، إضافةً إلى رفض أحد أفراد عائلتها البيولوجية استلام جثمانها في سوريا، يمتد العنف إلى ما بعد فعل القتل، ليطال كرامة المتوفاة والطريقة التي تُقدَّم بها للآخرين وتُستعاد في الذاكرة.

يساعد مفهوم «العنف الموجّه نحو الموتى» (Necroviolence)، الذي تناقشه زينغين، على فهم هذا الامتداد. فالاعتداء على الجثمان، أو إنكار هوية المتوفاة، أو التدخل في طقوس دفنها وذاكرتها، يمكن أن يشكّل استمراراً لعلاقات العنف بعد انتهاء الحياة البيولوجية.

بعد أيام من مقتل تالا، قررت النيابة العامة في جبل لبنان السماح بتسليم جثمانها إلى أصدقائها لدفنها بكرامة. وأتاح هذا القرار لأشخاص ارتبطوا بها بعلاقات اجتماعية وعاطفية أن يتولّوا واحدة من أكثر المسؤوليات حميمية بعد الموت.

وقد دُفنت تالا في مقبرة للمسيحيين في لبنان. كما أُقيم لها مجلس عزاء نظّمته جمعية «حلم» بمساعدة مجموعة QMA، حضرته صديقاتها اللواتي ألقين كلمات لاستذكارها والحديث عنها.

وهنا تظهر أبعاد متعددة للانتماء بعد الموت. فاختيار مكان الدفن أو إتاحته تتداخل فيه أحياناً التصنيفات الدينية والاجتماعية والقانونية. ولا يمكن الاستنتاج من دفن تالا في مقبرة للمسيحيين أنها رُفضت من مقابر أخرى، أو افتراض دوافع دينية محددة لهذا الاختيار دون معلومات إضافية. لكن الواقعة تستدعي التفكير في الكيفية التي تتحدد بها الأماكن المتاحة لدفن اللاجئات العابرات، ومن يمتلك القدرة على ترتيب هذه الإجراءات.

أما مجلس العزاء، فقد مثّل مساحة مختلفة للاعتراف بعلاقتها بصديقاتها وبالمجتمع الذي عرفها. فالكلمات التي ألقتها صديقات تالا لم تكن مجرد استذكار لامرأة قُتلت، بل ممارسة اجتماعية أعادت تقديمها من خلال علاقاتها وذكريات من شاركنها الحياة، بدلاً من اختزالها في الرواية الأمنية والإعلامية عن الجريمة.

الحداد الذي حُرمنا منه

أفكر في العبء الذي تحمله الصديقات عندما يفقدن امرأة قريبة منهن. فقبل أن نجد مساحة للحزن، يتحول الفقد أحياناً إلى سلسلة من المسؤوليات والمخاوف التي تستنزف الوقت والمشاعر والموارد، بينما يبقى الحزن نفسه مؤجلاً.

في حالة ليلى، لم يكن استذكارها منفصلاً عن الدفاع عن اسمها وهويتها وقصتها، ولا عن محاولة مقربيها معرفة تفاصيل وفاتها والتعامل مع المعلومات المتداولة عنها. وفي حالة تالا، تداخلت المطالبة بالدفن الكريم مع مواجهة العنف الذي تعرّض له جسدها والتمثيلات التي أنكرت هويتها.

لكنني أجد أن الحديث عن حرماننا من الحداد لا يصف وحده ما يحدث بعد هذه الخسارات. فنحن لا نفقد حقنا في الحزن فحسب، بل قد نجد أنفسنا مطالبات بأداء عمل إضافي كي يصبح الحزن نفسه ممكناً. علينا أحياناً أن نبحث عن المعلومات، وأن نتواصل مع أشخاص لا نعرفهم، وأن نتحقق من الأخبار المتداولة، وأن نشرح علاقتنا بالمتوفاة، أو ندافع عن الاسم الذي عاشت به. وفي حالات أخرى، قد يتطلب الأمر المساهمة في ترتيبات الجثمان والدفن وتكاليفهما. 

أريد أن أسمي هذا العبء «العمل الذي يسبق الحداد». لا أقصد أن الحزن يبدأ فقط بعد انتهاء الإجراءات؛ فنحن نحزن بينما نبحث ونتواصل وننتظر ونرتب. لكنني أقصد أن الفقد قد يفرض علينا أعمالاً عاجلة لا تسمح لنا دائماً بالانتباه إلى حزننا أو التعبير عنه. وقد تُوزَّع هذه الأعمال بصورة غير متكافئة داخل الجماعة نفسها، فتتحمل بعض الصديقات مسؤوليات أكبر بسبب قربهن من المتوفاة أو خبرتهن أو قدرتهن على التواصل مع المؤسسات. وفي حياة المنفى، قد تتضاعف هذه الأعباء بسبب المسافات والحدود واختلاف أماكن وجود الأشخاص المعنيين.

يساعدني مفهوم «الحداد غير المعترف به» لدى كينيث دوكا على فهم الخسارات التي لا تحظى باعتراف اجتماعي أو دعم كافٍ، سواء بسبب هوية المتوفاة أو طبيعة العلاقة التي جمعتها بمن يحزنون عليها. فالعلاقة التي لا يعترف بها القانون أو المجتمع قد تكون علاقة عميقة وممتدة لسنوات، ومع ذلك لا تُعامل خسارتها بوصفها فقداناً يستحق الاعتراف نفسه الذي يُمنح للعلاقات العائلية التقليدية.

وتذهب جوديث بتلر إلى مساءلة الظروف التي تجعل بعض الحيوات جديرة بالحداد بينما تُحرم حيوات أخرى من هذا الاعتراف. فالحداد ليس مجرد شعور خاص، بل يكشف أيضاً عن الطريقة التي يوزع بها المجتمع الاعتراف بقيمة الحياة البشرية.

لكن ما أريد إضافته إلى هذا النقاش هو أن غياب الاعتراف لا يحرمنا من التعبير عن الحزن فقط، بل قد يجعلنا نعمل أكثر في لحظة نكون فيها أقل قدرة على العمل. فعندما لا تُعترف علاقاتنا بالمتوفاة بصورة تلقائية، قد نضطر إلى بذل جهد لإثبات هذه العلاقات أو حماية ذكراها. 

أجد أن هذا التفاوت يصبح واضحاً عندما نُجبر على شرح أن صديقتنا العابرة كانت امرأة، قبل أن نتمكن من الحديث عن حياتها أو الحزن عليها.

ولا أريد أن أقبل بأن يتحول الحداد إلى اختبار جديد لإثبات إنسانيتنا. فمن حقنا أن نحزن دون أن نقدم تفسيراً لوجودنا، ودون أن نبرر علاقاتنا، ودون أن ندافع في كل مرة عن شرعية الألم الذي نحمله.

ومن حقنا أيضاً ألّا نحول كل خسارة إلى فعل سياسي. فالحزن ليس واجباً نضالياً، ولا ينبغي أن نُطالب باستخراج معنى أو انتصار من كل موت. لكننا، حين نختار الحزن معاً، نصنع مساحة مختلفة للعلاقات التي تربطنا.

أريد أن تصبح المساحات التي نجتمع فيها لتذكّر من فقدناهن أماكن نستطيع فيها التعبير عن الخوف والغضب والاشتياق والوحدة، لا أماكن نضطر فيها إلى إخفاء جراحنا أو تحويلها إلى خطاب عن الصمود الدائم.

الحق في الحقيقة والذاكرة

و لا أرى في الحداد الجماعي بديلاً عن الحق في معرفة الحقيقة أو المطالبة بالعدالة.

في حالة ليلى، لا تزال المعلومات المتاحة غير كافية لتحديد سبب الوفاة. وفي حالة تالا، جرى تحقيق جنائي أعلنت خلاله السلطات اللبنانية توقيف شخصين على خلفية جريمة قتلها واختفى كل شيئ بعد ذلك حتى اننا لا نعلم ان تم الحكم عليهما ام لا. تختلف الحالتان في ملابساتهما والأدلة المتاحة بشأنهما، لكن الاعتراف بهذا الاختلاف لا يلغي الحاجة إلى التحقيق والمساءلة، أو إلى حماية كرامة المتوفاة وخصوصيتها.

ولا يعني الحق في الحقيقة أن يصبح جسد المتوفاة متاحاً للفضول العام، لكن ما نريده هو معرفة الحقيقة حين تكون مجهولة، والمحاسبة حين تقع جريمة، والاعتراف بالشهادات التي تساعد على فهم ما حدث. ونريد أيضاً ألّا تصبح طريقة الموت هي الشيء الوحيد الذي نحفظه عن النساء اللواتي نفقدهن.

تقدم زينغين في دراستها تصوراً للمتوفاة بوصفها جزءاً من أرشيف اجتماعي وعاطفي تستمر من خلاله العلاقات بين الأحياء والموتى. فذكريات الصديقات المتوفيات، والأشياء التي تركنها، والطقوس التي تُقام لاستذكارهن، يمكن أن تتحول إلى مواقع لإعادة بناء القرابة والانتماء.

وتذهب أبعد من ذلك حين تقترح أن جسد العابرة المتوفاة وما يتجمع حوله من ذكريات وعلاقات قد يصبح بيتاً مؤقتاً، مادياً ورمزياً، للجماعة التي فقدتها.

أجد في هذه الفكرة ما يعبّر عن الحاجة إلى بناء ذاكرة تتجاوز سجلات الانتهاكات وأعداد الضحايا. لا لأن التوثيق غير ضروري، بل لأن الاقتصار عليه يهدد بتحويل النساء اللواتي فقدناهن إلى أرقام لا نعرف عنها سوى تاريخ الوفاة وطريقة الموت.

لهذا أريد أن أتذكر ليلى في مسيرتها المهنية وعلاقاتها واهتمامها بالتكنولوجيا والتعليم، وفي أملها بإمكان بناء حياة أكثر حرية. وأريد أن تتوفر لنا مساحة لمعرفة تالا من خلال ما تحفظه صديقاتها عنها، لا من خلال التقارير الأمنية والتفاصيل التي نشرتها وسائل الإعلام عن جريمة قتلها. لا أريد أن يبقى ما نعرفه عن تالا محصوراً بما فعله المعتدون بجسدها.

نحن لا نحمل موتانا بوصفهن أرقاماً في قوائم الضحايا، ولا بوصفهن أدلة على عالم لا يسمح لنا بالحياة. نحملهن لأنهن كن جزءاً من حياتنا، ولأن العلاقات التي صنعناها معهن لا تنتهي في اللحظة التي تتوقف فيها أجسادهن عن الحياة.

أرى في الحداد الجماعي ممارسةً لاستعادة الذاكرة والقرابة، وفي الرعاية شكلاً من أشكال السيادة التي نصنعها من الحب والعمل والمسؤولية المشتركة. وهذه السيادة لا تلغي حاجتنا إلى الحقوق والمؤسسات والحماية، لكنها تذكّرنا بأننا قادرون على إنتاج علاقات ومعانٍ لا تعترف بها الأنظمة المهيمنة دائماً.

إن قبول الحداد يعني أيضاً قبول هشاشتنا، والتوقف عن مطالبة أنفسنا بالقوة الدائمة. لدينا الحق في أن نتألم ونغضب ونشتاق، وأن نسمح للخسارة بأن تكون خسارة، دون تحويلها إلى واجب أو إنجاز.

نحن الموتى، ربما، في المخيلة التي ترى أجسادنا قابلة للاستباحة، وأسماءنا قابلة للمحو، وعلاقاتنا أقل استحقاقاً للاعتراف. لكننا لسنا أمواتاً قبل موتنا.

‍

references

1. Mbembe, A. (2003). Necropolitics. Public Culture, 15(1), 11–40.
2. Zengin, A. (2019). The afterlife of gender: Sovereignty, intimacy, and Muslim funerals of transgender people in Turkey. Cultural Anthropology, 34(1), 78–102.
3. Zengin, A. (2015). Sevginin ölüm dünyası: Aile, arkadaşlık ve trans kadın cenazeleri [The death-world of love: Family, friendship, and trans women's funerals]. Kültür ve Siyasette Feminist Yaklaşımlar, (26).
4. Butler, J. (2009). Frames of war: When is life grievable? Verso.
5. Rainbow Railroad. (2025, March 4). TRANScending adversity: Leila's story of courage & community.
6. Megaphone. (2024, May 21). Security forces arrest those responsible for Tala's killing [قوى الأمن تلقي القبض على قَتَلة تالا].
7.Al-Jumhuriya. (2026, September 25). Syria’s Sarah Hegazi. Al-Jumhuriya.