يتتبّع هذا المقال تاريخ رقص السماح في سوريا، من حلقات الذكر الصوفية والجدل حول مشاركة النساء في أدائه، وصولاً إلى حكاية فرقة رقص مستوحاة من التقاليد الصوفية، أسّسها فنانون كويريون في دمشق عام 1985، وظلّت تجربتها غائبة إلى حدّ كبير عن التوثيق التاريخي.
%20(4).jpg)
رقص السماح فن جماعي إيقاعي يقوم على تناغم خطوات الأقدام وحركات الأيدي والتشكيلات الجماعية مع إيقاعات الموشحات والإنشاد، ضمن أداء يعتمد على الانسجام بين المؤدين والدقة في توزيع الحركات.
ويصف عدنان بن ذريل، في كتابه «رقص السماح والدبكة: تاريخ وتدوين»، الصادر عام 1996، هذا الفن بوصفه أداءً جماعياً يتسم بالوقار والاحتشام، ويعتمد على منظومة من الخطوات والحركات والتشكيلات المتناسقة.
ولا يقتصر السماح على التعبير الحركي أو الأداء الاستعراضي، بل يقوم على علاقة دقيقة بين الموسيقى وحركة الجسد؛ إذ تتداخل خطوات الراقصين وحركات أيديهم مع الإيقاعات الموسيقية في تشكيلات جماعية منتظمة. وقد ارتبط هذا الطابع الحركي بالموشحات الأندلسية والحلبية والإنشاد الديني، ما منح السماح حضوراً في التقاليد الموسيقية والصوفية الشامية.
تختلف الروايات بشأن نشأته؛ إذ تنسب بعض المصادر التراثية تنظيمه إلى الشيخ عقيل المنبجي، المتوفى سنة 550هـ، بينما تشير روايات أخرى إلى تطوره على مراحل ضمن تقاليد الإنشاد والموسيقى الحلبية.
ويذكر المؤرخ أدهم الجندي، في كتابه «أعلام الأدب والفن»، أن رقص السماح ارتبط بممارسات تعبدية قديمة لدى بعض شيوخ الطرق الصوفية. كما ينسب تنظيم ما يسميه «رقص السماح الاجتماعي» إلى الشيخ عقيل المنبجي، ويشير إلى دور السيد أحمد عقيل، المعروف بلقب «صاحب السماح»، في تدوين قواعد هذا الفن ونقلها إلى أهل الموسيقى في حلب.
أما التسمية، فتربط بعض الروايات كلمة «السماح» بطلب الإذن من شيخ الطريقة الصوفية أو رئيس حلقة الذكر قبل بدء الرقص؛ إذ كان المريدون يستأذنون مردّدين «السماح، السماح»، حتى يشير إليهم بالإذن ببدء الأداء. وتورد «الموسوعة العربية» هذا التقليد إلى جانب تفسير آخر يربط التسمية بكون هذا اللون من الرقص مسموحاً به ضمن بعض الأعراف الدينية والاجتماعية.
تعود بعض الإشارات المكتوبة إلى رقص السماح إلى القرن التاسع عشر. فقد أورد بطرس البستاني في معجمه «محيط المحيط» وصفاً له بوصفه رقصاً للمشايخ يُستخدم في العبادات، في إشارة إلى ارتباطه بالممارسات الدينية.
وفي كتابه «خطط الشام»، الصادر خلال عشرينيات القرن الماضي، تناول محمد كرد علي حضور رقص السماح في الحياة الموسيقية الشامية، بوصفه أداءً يجمع بين الحركة والموشحات والغناء الجماعي.
وقد ارتبط السماح في بعض مراحله بالمناسبات الدينية، ومنها المولد النبوي ورأس السنة الهجرية، حيث كان يُقدَّم ضمن عروض تجمع بين الإنشاد والذكر والحركة الإيقاعية. وفي المقابل، عُرف أيضاً في المجالس الفنية والمناسبات الاجتماعية، ما يعكس تعدد السياقات التي مُورس فيها.
ويمكن التمييز بين أشكال مختلفة من أدائه؛ منها السماح الديني المرتبط بالزوايا والتكايا الصوفية، والسماح المسرحي الذي تقدّمه الفرق الفنية أمام الجمهور، إلى جانب صيغ شعبية تمزج بعض حركاته بعناصر من الرقص المحلي.
ويعتمد الأداء على تشكيلات متنوعة، منها الصفوف والدوائر، مع انتقالات حركية تتوافق مع البنية الإيقاعية للموشحات. ويقوم جانب أساسي من هذا الفن على الانضباط الجماعي، بحيث تتكامل حركة الراقصين مع الإنشاد، بدلاً من الاعتماد على الارتجال الفردي.
ارتبط تطور السماح الحديث بالموسيقي الحلبي عمر البطش (1885–1950)، الذي أسهم في تنظيم العلاقة بين حركات الجسد وإيقاعات الموشحات، ونقل هذا الفن من حلب إلى دمشق، حيث أُدخل تدريجياً إلى المؤسسات التعليمية والعروض المسرحية.
وقد عمل البطش على تطوير التشكيلات الحركية، وربط خطوات الأقدام وحركات الأيدي بالإيقاعات الموسيقية، إلى جانب تحديث بعض عناصر الأداء والأزياء بما يتناسب مع تقديم السماح أمام الجمهور.
وفي ثلاثينيات القرن العشرين، برز دور عادلة بيهم الجزائري، التي ساهمت في تأسيس جمعية «دوحة الأدب» وتعليم الفتيات. وتشير روايات تاريخية إلى أنها التقت عمر البطش عام 1934، ودعته إلى تعليم طالبات المدرسة رقص السماح، قبل أن يتولى تدريبهن في دمشق عام 1936، بدعم من فخري البارودي.
ومع تأسيس معهد الموسيقى الشرقية التابع للإذاعة السورية عام 1947، تولّى البطش تدريس الموشحات ورقص السماح، ما ساهم في ترسيخ حضور هذا الفن داخل المؤسسات الموسيقية في العاصمة.
وفي الحفل المدرسي السنوي عام 1947، قدّمت طالبات «دوحة الأدب» عرضاً لرقص السماح على مدرج جامعة دمشق، وهن ينشدن موشح «املأ لي الأقداح صرفاً».
وشكّل ظهورهن في أداء ارتبط في بعض مراحله السابقة بحلقات الذكر الرجالية تحولاً لافتاً في تاريخ هذا الفن، لكنه لم يمر دون اعتراض.
هكذا وصف علي الطنطاوي انتقال رقص السماح إلى طالبات مدرسة «دوحة الأدب» في دمشق، في خلاف تجاوز الصحافة والمنابر ووصل إلى البرلمان السوري عام 1951.
ففي ذلك العام، تحوّل رقص السماح إلى موضوع خلاف سياسي واجتماعي بين فخري البارودي والشيخ علي الطنطاوي، على خلفية العروض التي قدّمتها الطالبات.
وفي الجزء الخامس من مذكراته، ضمن فصل «قصتي مع رقص السماح»، يصف الطنطاوي نقل هذا الفن من المشايخ إلى الفتيات بأنه «فكرة شيطانية»، وينتقد تقديم الطالبات عروضاً أمام جمهور يضم رجالاً.
ويذكر الطنطاوي أن الطالبات ارتدين أزياء حريرية ملونة وفضفاضة، مستوحاة من ملابس ارتبطت في المخيلة الفنية بالعصور العباسية والأندلسية. ورغم إقراره بأن العرض لم يتضمن كشفاً للعورات، فقد اعتبر أن رقص الفتيات أمام الرجال يحمل طابعاً مثيراً يتعارض، من وجهة نظره، مع الأعراف الدينية والاجتماعية.
بدأ اعتراض الطنطاوي في الصحافة، ثم امتد إلى خطبة في مسجد الجامعة بدمشق، أعقبتها ردود وحملات صحفية مؤيدة ومعارضة. ووصل الجدل إلى مجلس النواب السوري في جلسة 26 حزيران/يونيو 1951.
ولم يكن الخلاف حول خطوات الرقص وحدها، بل حول مشاركة النساء في أداء علني أمام الجمهور، وحدود ما اعتبرته الأطراف المتنازعة مقبولاً من ظهورهن في المجال العام.
ورغم الاعتراضات، استمر تقديم رقص السماح ضمن الفرق الفنية والمؤسسات الموسيقية، وأصبح جزءاً من العروض المسرحية والتراثية التي عُرفت بها سوريا، ومن أبرزها عروض فرقة «أمية».
بعد عقود من ذلك الجدل، شهدت دمشق تجربة مختلفة لرقص السماح، بقيت خارج معظم الروايات المكتوبة عن تاريخ هذا الفن.
يروي غسان، وهو رجل مثلي في العقد السادس من عمره، لـ«سين» تجربة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين شارك مع مجموعة من أصدقائه المثليين في تأسيس فرقة فنية ذات طابع صوفي، استلهمت تجربة فرقة «رابعة العدوية» الأصلية واتخذت اسمها.
بدأت التجربة من علاقات صداقة جمعت أشخاصاً يتشاركون الاهتمام بالإنشاد والرقص الإيقاعي. وكان بعض الأعضاء، ومن بينهم غسان، قد شاركوا سابقاً في فرق للرقص الشعبي، قبل أن يبدأوا بحضور الموالد ذات الطابع الصوفي، التي كانت منتشرة في دمشق، ولا سيما في مناسبات الأفراح.
وبحسب غسان، بدأت فكرة تأسيس الفرقة على سبيل المزاح بين الأصدقاء، قبل أن تتحول إلى مشروع فني فعلي عام 1985. واختار الأعضاء اسم «رابعة العدوية» تيمناً بالشخصية الصوفية المعروفة في التاريخ الإسلامي.
وعن بدايات التجربة، يروي غسان:
«كنت مهتماً بالإنشاد والرقص الإيقاعي، وجمعتني هذه التجربة بعدد من الأصدقاء والفنانين من أفراد مجتمع الميم عين الذين كانوا يبحثون عن أساليب تعبير فني تجمع بين الروحانية والأداء المسرحي».
سعت الفرقة إلى تقديم عروض تجمع بين رقص السماح والمولوية، مع الحفاظ على صلتهما بالتقاليد الصوفية وإعادة تقديمهما ضمن إطار مسرحي معاصر.
ويصف غسان التجربة بأنها لم تكن مجرد عروض استعراضية، بل ممارسة جمعت بين الفن والروحانية. فقد سعى الأعضاء إلى إعادة تقديم السماح بما يحمله من انضباط حركي وتشكيلات جماعية، إلى جانب الرقص المولوي الذي ارتبط في الممارسات الصوفية بالدوران والتأمل الروحي.
ولم يكن هذا النوع من الأداء جديداً على المشهد الفني السوري؛ إذ سبق أن قُدّم رقص السماح على المسارح وفي البرامج التلفزيونية، من خلال فرق موسيقية وشعبية، من بينها فرقة «أمية».
غير أن خصوصية «رابعة العدوية»، بحسب رواية غسان، ارتبطت بتكوينها الاجتماعي وطبيعة العلاقات التي جمعت أعضاءها.
«كانت أول فرقة صوفية مثلية، بالطبع لم نعلن عن هذا الأمر لأن ذلك كان كفيلاً برفضنا الكلي».
بهذه الكلمات، يصف غسان جانباً من التجربة التي أتاحت لأعضائها ممارسة الفن معاً، دون الإعلان عن هوياتهم الجنسية أمام الجمهور.
قدّمت الفرقة عروضها على خشبة مسرح الحمراء في منطقة الصالحية بدمشق، وفق شهادة غسان.
ويذكر أن التلقي الاجتماعي للعروض كان متنوعاً؛ إذ نظر إليها بعض الجمهور بوصفها امتداداً للتراث الفني الصوفي، بينما اعتبرها آخرون خروجاً عن المألوف من حيث الشكل وطبيعة الأداء.
ويضيف أن أعضاء الفرقة حرصوا على إبراز الجانب الفني والجمالي من تجربتهم، بدلاً من الانشغال بالتأويلات الاجتماعية التي قد تُسقط على عروضهم.
أما على المستوى المالي، فكانت العروض مجانية بالكامل، وكانت تكاليف الأزياء والتجهيزات تُغطّى من التمويل الذاتي للأعضاء، إلى جانب تبرعات من بعض القائمين على الزوايا الصوفية.
ويشير غسان إلى أن بعض هؤلاء الداعمين كانوا على علم بالميول الجنسية والهويات الجندرية لأعضاء الفرقة، وهو تفصيل يكشف عن علاقات اجتماعية أتاحت استمرار النشاط الفني، رغم عدم الإعلان العلني عن طبيعة تكوين الفرقة.
واستمر نشاط «رابعة العدوية» حتى عام 1997، حين انتهت تجربتها، بحسب غسان، بعد مقتل اثنين من راقصيها خلال الهجمات الإسرائيلية على لبنان عام 1996.
يُظهر تتبّع رقص السماح، عبر امتداداته التاريخية والجغرافية، أنه فن مركّب يتقاطع فيه البعد الموسيقي بالحركة الجسدية، والروحي بالجمالي، ضمن سياق الثقافة الدمشقية التي أسهمت في صونه وإعادة تشكيله عبر مراحله المختلفة. ورغم تعدد الروايات حول أصوله ومسارات تطوره، فإن الثابت هو حضوره بوصفه أحد أشكال التعبير الفني المرتبطة بالموشحات والإنشاد والقدود، وما يحمله ذلك من قيم الانضباط والإيقاع الجماعي في الفن الإسلامي والفنون السورية.
تكشف لنا قراءات هذا الفن في سياقاته الحديثة عن القابلية التي يحملها التراث للتجدد وإعادة التأويل داخل الأطر المسرحية والتجريبية الحديثة، بما يعكس استمرار تفاعل الذاكرة الثقافية مع الممارسات الفنية المتوارثة. ومع تفاوت مستويات توثيق بعض جوانب تاريخه، يظل رقص السماح علامة دالة على حيوية التراث الحلبي والدمشقي وقدرته على البقاء والتحول في آنٍ واحد.
1. بن ذريل، عدنان (1996). رقص السماح والدبكة: تاريخ وتدوين. قراءة الكتاب (PDF).
2. الجندي، أدهم. أعلام الأدب والفن، الجزء الثاني. مكتبة جامعة نيويورك الرقمية.
3. البستاني، بطرس (1870). محيط المحيط. الأرشيف الرقمي.
4. كرد علي، محمد (1926). خطط الشام. الأرشيف الرقمي.
5. الطنطاوي، علي. ذكريات، الجزء الخامس، فصل «قصتي مع رقص السماح». الأرشيف الرقمي.
6. الموسوعة العربية. مادة مرجعية حول رقص السماح وتقاليده الصوفية. الموقع الرسمي.
7. عقيل المنبجي: معلومات تاريخية وسير ذاتية حول الشخصية الصوفية المرتبطة بنشأة رقص السماح. المعرفة.
8. عمر البطش: سيرة الموسيقي الحلبي ودوره في تطوير رقص السماح. ويكيبيديا العربية.
9. عادلة بيهم الجزائري: سيرتها ودورها في تعليم الفتيات والعمل النسوي السوري. ويكيبيديا العربية.
10. جمعية دوحة الأدب: معلومات تاريخية عن الجمعية ودور عادلة بيهم الجزائري في تأسيسها. موقع أدباء الشام.
11. فخري البارودي: سيرة السياسي السوري ودوره في دعم الحركة الموسيقية. ويكيبيديا العربية.
12. معهد الموسيقى الشرقية: معلومات عن تاريخ التعليم الموسيقي والمؤسسات الفنية السورية. جريدة النور.
13. إذاعة دمشق: مرجع عن المؤسسة الإذاعية السورية. الموقع الإلكتروني.
14. فرقة أمية للفنون الشعبية: معلومات عن تاريخ الفرقة ونشاطها. موسوعة التاريخ السوري المعاصر.
15. رابعة العدوية: سيرة الشخصية الصوفية التي استُلهم منها اسم الفرقة. ويكيبيديا العربية.
16. موشح «املأ لي الأقداح صرفاً». الاستماع إلى التسجيل عبر يوتيوب.
17. غسان (2026). مقابلة حول فرقة «رابعة العدوية» ورقص السماح والذاكرة الفنية الكويرية في دمشق خلال الفترة 1985–1997. شهادة شفوية غير منشورة، أجرتها منظمة «سين» للانصاف