SEEN

October 27, 2026

ذاكرتنا

من الذاكرة إلى التوثيق:  التاريخ الشفوي النسوي خارج المؤسسات في الأردن

من خلال شهادات شخصية لنسويتين من جيلين مختلفين في الأردن، تستكشف جهينة كيف غُيّبت أشكال النضال النسائي خارج الأطر المؤسسية عن السرديات التاريخية الرسمية. وتتناول المادة التاريخ الشفوي بوصفه أداة لمساءلة السرديات المؤسسية، وطرح الأسئلة حول من يمتلك سلطة توثيق النضالات الجماعية، وأهمية حفظ التجارب والذاكرة من خطر النسيان.

جهينة
Back to archive

في كثير مما كُتب عن الحراك النسوي الأردني، ثمة أسماء تتكرر، ومؤسسات تُذكر، وتواريخ تُوثَّق. لكن خلف هذه الرواية الرسمية، نساء أخريات كنّ حاضرات وكنّ جزءاً من لحظات مهمة، في نقاشات يومية، وفي مواقف صغيرة شكلت ما وصلنا إليه اليوم، لكن قصصهن لا تُروى غالباً، وتغيب من السرديات المتداولة تفاصيل ومواقف أسهمت في تشكيل المشهد الذي كُتب عنه لاحقاً في الصحف والمقالات. ليس لأنهن لم يؤثرن، بل لأنهن لم يعملن ضمن منظمات/مؤسسات/مبادرات معروفة ووثقت حينها.

التجربة النسوية لا تتشكل فقط في المكاتب أو المشاريع أو التقارير، هي تتشكل أيضاً في الحياة اليومية؛ وفي الطرق التي تتعامل بها النساء مع القيود الاجتماعية والقانونية والعائلية. مع ذلك،ما يُكتب يأتي غالباً من داخل المؤسسات، أو عبر أصوات محددة باتت مسموعةً لأسباب لا تتعلق دائماً بحجم أثرها الفعلي، ما يعيد  إنتاج رواية نخبوية عن الحراك، ويغفل مسألة التراتب والامتيازات داخله. 

تشير إحدى الدراسات حول الحركة النسائية الأردنية إلى أن التاريخ الموثق يركز بشكل شبه حصري على العمل السياسي، وأن النساء اللواتي ناضلن بطرق أخرى "غالباً ما يُهمل ذكرهن". هذا ليس تفصيلا عابرا بل نمط متكرر في كتابة التاريخ.

فهؤلاء النسوة لسن غائبات عن التاريخ، بل عن التوثيق. وهو ما تحاول هذه المادة الاقتراب منه، عبر الاستماع إلى روايات نسويات عايشن أحداثاً أو تحولات كان لها أثر حقيقي في حياتهن، وفي فهمهن للقضايا النسوية. على الرغم من أن نقل الروايات شفاهياً ممارسةٌ انسانية قديمة، إلا أنها لم تعامل تاريخياً كمصدر موثوق بالقدر ذاته الذي يُعطى للمكتوب، هذا التفاوت لم يكن محايدا، بل ساهم في تهميش مجموعات كاملة، من بينهن النساء. 

لذلك لا يمكن النظر إلى التاريخ الشفوي كبديل عاطفي عن العقلانية التي تتسم بها مناهج التاريخ، بل كطريقة لفهم التاريخ بشكل مختلف، تطرح سؤالاً مباشراً: من نعتبره فاعلاً تاريخياً؟ وما الذي يجعله يستحق أن يُروى؟ 

داخل الحراك النسوي تحديداً، تُعاد إنتاج هذه المعادلة بشكل مضاعف، فما يُكتب عن الحركة يأتي غالباً من داخل المؤسسات، أو عبر أصوات باتت مسموعةً. بينما تبقى النساء اللواتي عملن خارج هذه الأطر في دوائر ضيقة، أو تضيع حين لا يبقى من يحملها. والنتيجة رواية منقوصة عن الحراك.

في السبعينيات، لم يكن لدى عبلة وصديقتها هناء، رحمها الله، سيارة ولا مكتب ولا مؤسسة تحمل اسميهما. كانتا تتجهان يومياً بالباص، وسيلتهما الوحيدة والشاقة آنذاك، إلى مصنع في الرصيفة لتعليم العاملات القراءة والكتابة، وتجلسان معهن حرفاً حرفاً. هذا المشهد لامرأتين بلا لافتة ولا تقرير ولا ممول، هو ما لا يظهر في السرد الرسمي عن الحراك النسوي في الأردن. لكنه، برأي عبلة، جوهر العمل: "العمل الميداني قاعدة أساسية للعمل النضالي." 

وحين سُئلت عن مصدر هذا الوعي، عادت إلى والدتها؛ امرأة أمية تعلّمت القراءة في سن متأخرة، وربّت أبناءها وحدها بعد وفاة زوجها مبكراً. تصفها بأنها "نموذج للاستقلالية، وللبحث عن الحلول، وللرفض المستمر لكل أشكال الظلم". والدة عبلة لا اسم لها في أي سجل، ولا حضور في أي تقرير، لكنها بالنسبة لعبلة الجذر الذي يفسر كل شيء.

في إحدى غرف منزل السيدة عصام عبد الهادي، رحمها الله، كانت النساء يجتمعن بشكل دوري ضمن ما عُرف بـ"اجتماع الهيئات النسائية في الأردن"، لم تكن هذه اللقاءات معلنة لكنها شكلت مساحة لتنظيم نضال استمر لسنوات. في تلك الاجتماعات، ناقشت النساء قضايا السياسة والشأن العربي-الفلسطيني، وبعض قضايا النساء المُلحة في الأردن حينها كالتعليم والمشاركة السياسية والاقتصادية. وكان لهذه اللقاءات دور في دفع الحراك النسائي آنذاك إلى الأمام.

ناضلت عبلة لعقود في الحراك النسائي الأردني، وهي تفضل استخدام مصطلح "نسائي" على "نسوي". وليس من باب التحفظ، بل من موقف تحليلي واضح. إذ تعتبر أن مصطلح "النسوي" وصل مع موجة التسعينيات وأجندات ما بعد مؤتمر بيجين 1995، حيث بدأت القضايا تُطرح ضمن أطر أكثر تخصصا، منفصلة عن سياقها السياسي الأوسع، وبحسب رأيها، أنتج عملاً نخبوياً متخصصاً بدل العمل الجماهيري الشامل لا يعكس واقع النساء الأوسع.

بالنسبة لها لا يمكن فصل حقوق المرأة عن النظامين السياسي والاقتصادي. وهذا ما يفسر جزئيا غياب نساء مثلها عن السجل الرسمي؛ فعملهنّ كان يومياً وجماهيرياً وسياسياً في آن، وهو ما لا تنقله بسهولة أدوات التوثيق المؤسسي. وتلخص عبلة هذا الغياب بقولها: "الحركة النسائية مظلومة لأن كتب نادرة جداً ومقالات نادرة جداً اللي صدرت بشأنه".

يتجلى هذا النمط بوضوح حين نتأمل تعريف الحركة النسائية ذاتها. فبينما يُعرّفها بعض الباحثات/ين بوصفها "العمل، سواء كان منسقاً أم لا، لجميع الجهات الفاعلة والمنظمة في مجموعات أو كأفراد، تعمل على قضايا المرأة"، يبقى التوثيق الفعلي محصوراً في الجهات الأكثر حضوراً ومؤسسيةً. وهكذا تُنتج المؤسسات عن قصد أو غير قصد رواية نخبوية عن الحراك، تغفل التراتب والامتيازات داخله. ولكن يبقى سؤال من يكتب الرواية لتصبح حقيقة في مخيال الناس بشكل لا يقبل النقاش؟ من الذي يعطيها صفة الحقائق ويكسبها المشروعية ويدعمها؟

في النهاية لا يٌنتج الخطاب من فراغ، بل يكتب غالباً من موقع يمتلك سلطة إنتاجه.

لم يبدأ وعي رزان النسوي في مؤسسة، بل تشكل حين سمعت أصواتاً حولها تقول أن الممارسات التي كانت تفعلها مع أخيها التوأم مثل كرة القدم، كرة السلة، اللعب في الشارع "ما بتزبطلك". لم تكن هناك حادثة مفصلية، ولا خطاب نسوي مؤطَّر، بل سؤال بسيط ظل يلاحقها: لماذا؟. قادها هذا السؤال وهي في العشرينات من عمرها، إلى البحث على منصات التواصل الاجتماعي، ثم إلى قراءات أعمق من بينها كتاب هشام شرابي عن النظام الأبوي. وبعدها إلى الشارع في أول وقفة تضامنية حضرتها في عمان قبل حوالي خمس سنوات. كانت فرداً أدرك أن ما تعيشه على الشاشة يستوجب انتقالاً إلى الشارع.

تنتمي رزان إلى جيل يملك أدوات لم تكن متاحة لعبلة، مثل منصات التواصل الاجتماعي التي تصفها بأنها تجعل النضال "عابراً للحدود". لكنها في الوقت ذاته ترى حدود هذه الأدوات: "الصدى بيجي دائماً تحت ظل مؤسسة وبإسم مؤسسة". وتطرح سؤالاً أبعد من ذلك: "من يملك أدوات التوثيق أصلاً؟".

تعتبر رزان أن القدرة على الكتابة والصياغة هي في حد ذاتها "رفاهية" ليست متاحة للجميع، وليست محايدة. ويعزز ذلك تصور راسخ في الثقافة بأن الكتابة "الحقيقية" يجب أن تكون بالفصحى، ما يجعل كثيراً من التجارب الحية عاجزة عن إيجاد لغة تحملها دون أن تفقد شيئاً من روحها في التعديل أو الترجمة. وترى إن غياب الأرشيف النسوي الأردني يجعل النضال أطول وأصعب: "إذا أنا ما عندي تاريخ أرجع له، ممكن أعيد تكرار أخطاء اللي قبلي" وهنا لا تبدو الفجوة في التوثيق مجرد خسارة للذاكرة، بل عائق أمام النضال المستقبلي.

بين تجربة عبلة ورزان، عقود من الزمن وأدوات مختلفة كلياً لكن هناك نمط واحد لم يتغير، الفاعلية خارج المؤسسات تحدث، لكنها نادراً ما تُحسب وتوثق. 

لا يرتبط غياب هذه التجارب بعدم أهميتها، بقدر ما يرتبط بمن يملك أدوات الحفظ والتوثيق. فالتاريخ لا يُنتج فقط عبر ما حدث، بل عبر ما جرى تسجيله والاحتفاظ به. وحين تكون المؤسسات هي الجهة الأكثر قدرة على الأرشفة والنشر وإنتاج المعرفة، تصبح تجارب العمل غير المؤسسي أكثر عرضة للغياب، حتى عندما تكون جزءاً أساسياً من مسار الحراك نفسه.

فالرواية التي لا تُحفظ لا تُورَّث. السؤال الذي تطرحه هذه المادة ليس من يملك السرد فحسب، بل من يقرر من كان هناك أصلاً؟ وماذا يحدث لكل ما لا يُوثق؟ هل يغيب عن التاريخ، أم يبقى بطريقة أخرى، خارج السجلات، في الذاكرة والروايات التي لم تكتب بعد؟

"حرام يعني جيل بحاله يغادر هالدنيا ويدفن تجاربه معه" هكذا أنهت عبلة الحوار.

وربما لا يكمن الرهان اليوم في استعادة الماضي فحسب، بل في حفظه قبل أن يرحل شهوده. لأن ما لا يُوثَّق قد لا يختفي تماماً، لكنه يصبح أكثر هشاشة أمام النسيان. 

الهوامش

1. النسائي / النسوي: يُميّز بعض الناشطين والناشطات في الأردن بين مصطلحي «النسائي» و«النسوي». إذ يشير الأول إلى الحركة النسائية الجماهيرية الواسعة التي بدأت في الأردن منذ أربعينيات القرن الماضي، وناضلت من أجل حقوق النساء ضمن سياق سياسي واجتماعي أشمل. أما مصطلح «النسوي»، فيرتبط لدى بعض الناشطات بالمفاهيم والمقاربات التي برزت خلال التسعينيات، ولا سيما الأجندات التي أعقبت مؤتمر بيجين عام 1995. وترى عبلة أبو علبة أن هذا التحول أسهم في فصل المطالب الحقوقية للنساء عن سياقها السياسي الأوسع. ولا يُعدّ المصطلحان متعارضين بالضرورة، لكن تفضيل أحدهما يعكس موقفاً فكرياً وتحليلياً من طبيعة الحراك وأولوياته.

2. المرجع: Ababneh, S. (2021). “The Time to Question, Rethink and Popularize the Notion of ‘Women's Issues’: Lessons from Jordan's Popular and Labor Movements from 2006 to Now.” Journal of International Women's Studies, 21(1), 271–288.

3. رزان: شابة وناشطة مجتمعية أردنية، تهتم بقضايا الشأن العام، ولا سيما القضايا النسوية وحقوق النساء، وتسعى إلى الإسهام في تعزيز الوعي بهذه القضايا وتوسيع المشاركة المجتمعية في مناقشتها والعمل عليها.