SEEN

October 23, 2026

المجتمع

هل نحمي أطفالنا؟

انطلاقاً من تجربة شخصية، تتناول هذه المدوّنة ازدواجية المعايير تجاه الأطفال العابرين جندرياً، وتتحدى التصورات المجتمعية السائدة حول الهوية الجندرية والتعبير الجندري. ومن خلال التركيز على السياق اللبناني، تناقش المدوّنة إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية المؤكِّدة للجندر، وحق الأطفال في المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم، وأهمية أن يكبروا بأمان وحرية، وأن يكونوا على طبيعتهم.

أيفا مريش
Back to archive

عندما نتحدث عن الرعاية الصحية المؤكِّدة للجندر للأطفال، يذهب تفكيرنا مباشرة إلى الأطفال العابرين جندرياً. ويكفي أن نسمع المصطلح حتى تحضر حاصرات البلوغ والهرمونات والجراحات، ويحضر معها السؤال المعتاد: هل يجوز أن تُتاح لهم أم لا؟ لكن هذه الرعاية، بمظلّتها الواسعة، تتجاوز ذلك؛ فهي ليست حكراً على الأشخاص العابرين، وأنا أعرّفها تعريفاً أرحب: كل رعاية تؤكد جندر الإنسان. ونحن نؤكد جندر أطفالنا منذ زمن طويل.

حين تطلب بنت من أهلها أن ينادوها باسم تدليل، أو تطلي أظافرها، أو ترتدي الفساتين، أو تترك شعرها يطول، نعدّ ذلك طبيعياً تماماً. لا أحد يخشى أن يجعلها السماح بذلك امرأة قسراً، أو أن الفستان سيقنعها بأن الأنوثة تختزل في ارتدائه، أو أن طلاء أظافرها تلقين للأنوثة. والأمر نفسه ينطبق على الأولاد.

أعرف أن القوالب النمطية الجندرية مؤذية، وأن المجتمع يدفع الأطفال نحو أشكال معينة من التعبير وفق ما ينتظره من الرجل والمرأة وما يهيئهم له. وأنا أدعم إلغاء الجندر نفسه، لكنني لا أتصور أن نلغيه بإلغاء من يعيشونه. ما أراه هو أن كثيراً من هذه الممارسات اليومية، التي اعتادها المجتمع بوصفها نمطاً من التربية والرعاية، تؤكد جندر الطفل، لأنها تتيح له أن يعبّر عن نفسه بطريقة تجعله مرتاحاً مع جندره. فما الذي يتغير حين يكون الطفل عابراً؟

حين تطلب فتاة عابرة اسماً تُسمّى به الفتيات عادةً، أو شعراً طويلاً، أو فساتين، أو طلاءً للأظافر، أو أن تعيش اجتماعياً كفتاة وتُعامَل على هذا الأساس، تنقلب الأفعال نفسها التي كنا نصفها بأنها «طبيعية» إلى «تحويل للطفل» أو تلقين له. وتبدأ الأسئلة: أليست أصغر من أن تعرف جندرها؟ ألا يؤثر فيها أهلها وأصدقاؤها ومحيطها؟ أفلا يجعلها التعبير عن نفسها بالطريقة التي تريحها عابرةً جندرياً؟

الفستان هو الفستان، والطلاء هو الطلاء، والشعر هو الشعر. ما تغيّر هو موقفنا من الجندر الذي أُسنِد إلى الطفل عند الولادة.

أنواع الرعاية المؤكِّدة للجندر: المخاطر والفوائد بمعيار طبي واحد

قد تكون الرعاية المؤكِّدة للجندر اجتماعية أو طبية أو جراحية أو نفسية، وتتفاوت أشكالها في قابليتها للانعكاس، ولا تنحصر في ممارسة واحدة. ويزداد النقاش تعقيداً حين ننتقل من العبور الاجتماعي إلى الرعاية الطبية.

فالعبور الاجتماعي يعني تغيير الاسم أو الضمائر أو تسريحة الشعر أو الملابس أو طريقة تقديم الشخص لنفسه وتعبيره عن جندره، بما في ذلك سلوكياته. وهذه أمور يسهل التراجع عنها عادةً بالنسبة إلى الشخص العابر أو العابرة.

أما الرعاية الطبية فمسألة أخرى؛ إذ ترافق حاصرات البلوغ والعلاج الهرموني والجراحات آثار ومخاطر ودرجات مختلفة من القابلية للانعكاس على الأجساد. لذلك يخطئ من يعاملها كأنها شيء واحد أو مسار ينطبق على الجميع.

أقف هنا عند الجراحة لأقول رأيي بوضوح: لا أراها خياراً للأطفال، فهي في معظم الحالات، وربما في جميعها، غير قابلة للرجوع عنها إلى حد كبير. كما أن تعديل الخصائص الجنسية البيولوجية جراحياً قبل اكتمال النمو الجنسي والنفسي ينطوي على آثار جانبية ومخاطر كبيرة على الطفل نفسه. وأؤكد أن هذا يسري على جميع الأطفال، سواء كانوا عابرين جندرياً، أو ممتثلين جندرياً، أو حاملين لصفات جنسية بينية (إنترسكس).

تخضع أجساد الأطفال لتدخلات طبية تتعلق بالبلوغ والخصائص الجنسية البيولوجية منذ زمن بعيد. فحاصرات البلوغ تُستخدم منذ عقود مع الأطفال الذين يبلغون مبكراً على نحو غير معتاد، لأننا ندرك ما يمكن أن يتركه ذلك من آثار في أجسادهم وصحتهم النفسية. وبعض الأطفال يتناولون الإستروجين أو التستوستيرون لأن أجسادهم لا تنتج ما يكفي منهما.

لهذه العلاجات مخاطر وآثار جانبية، ومع ذلك لا يطالب أحد بمنعها. نسأل بدلاً من ذلك: هل العلاج مناسب طبياً؟ ما فوائده وآثاره الجانبية ومخاطره؟ ما البدائل المتاحة؟ وكيف سنتابع حالة الطفل؟

فلماذا يغيب هذا المنطق بمجرد أن يكون الطفل عابراً؟

أعرف أن علاج البلوغ المبكر أو المتأخر يختلف عن علاج الانزعاج الجندري (الديسفوريا الجندرية)، لكن القاعدة التي نعمل بها واحدة؛ فنحن نقبل أن يُنظَّم النمو الجنسي للطفل أو يُعدَّل حين يرى مقدّم رعاية صحية مختص، بعد تقييم حالته، أن ذلك ضروري. فما الذي يمنع أن يدخل الانزعاج الجندري في هذا الإطار، حين يقيّم مختص حاجة الطفل إلى الرعاية المؤكِّدة للجندر ويراها العلاج الوحيد لحالته؟

المخاطر لا تصلح وحدها حجة ضد الرعاية. فكل تدخل طبي تقريباً يحمل مخاطر، وخصوصاً التدخلات التي تمس الجسد ونموه. وعادةً لا نحرم الناس من العلاج لهذا السبب، بل نوازن بين مخاطره وفوائده. وأرى أن هذا المعيار يجب أن يشمل الأطفال العابرين أيضاً.

أنا لا أزعم أن الرعاية المؤكِّدة للجندر خالية من المخاطر، فهي ليست كذلك. ما أريده هو أن تُقيَّم تقييماً جاداً يراعي عمر الطفل وصحته ونموه وحالته النفسية ورغبته، إلى جانب مخاطر العلاج وفوائده.

هذا المعيار يسري على جميع الأطفال، عابرين وغير عابرين. فحين يكون العلاج ضرورياً لطفل غير عابر، لا نحرمه منه لمجرد أنه ينطوي على مخاطر، بل نقيّم حالته. والأطفال العابرون يستحقون المعاملة نفسها.

قد يكتشف بعض الأطفال الذين عرّفوا أنفسهم بأنهم عابرون أو مختلفون جندرياً أنهم ليسوا كذلك، فيتخلّون عن هذا التعريف. وقد يبقى آخرون تحت مظلة العبور الجندري دون رغبة في العبور الطبي.

الهويات العابرة متنوعة، وتجربة كل طفل مع الجندر فريدة، وهذا مقبول تماماً. فالأطفال يغيّرون آراءهم ويستكشفون أنفسهم طوال الوقت. اهتماماتهم وملابسهم وأسماؤهم، وحتى فهمهم لذواتهم وهوياتهم، تتبدل باستمرار. ومن حقهم أن يستكشفوا من هم، سواء عبر التعبير عن الذات أو التعبير الجندري أو أي طريقة أخرى.

وتزداد أهمية هذه النقطة حين نتحدث عن أشكال الرعاية القابلة للانعكاس، كالعبور الاجتماعي. فإذا غيّر الطفل اسمه أو ضمائره أو ملابسه أو تسريحة شعره أو طريقة تقديم نفسه، أمكنه التراجع عن ذلك إن اكتشف أنه ليس عابراً.

لكن ماذا لو لم يكتشف ذلك؟ وللمنظور المعاكس وزنه أيضاً: ماذا لو كان الطفل عابراً فعلاً وحرمناه من الرعاية التي يحتاجها؟

البلوغ لا ينتظر، وبعض تغيراته يصعب عكسها أو يستحيل. ولا يجوز أن نستخف بما قد تتركه هذه التغيرات غير القابلة للانعكاس من آثار في الصحة النفسية والرفاه لدى الشخص العابر، طفلاً كان أم بالغاً.

فإن كنا نتحدث عن عدم اليقين، فالإنصاف أن ننظر إلى الاحتمالين معاً: ماذا يحدث إن لم يكن الطفل عابراً وأكدنا جندره؟ وماذا يحدث إن كان عابراً وامتنعنا عن تقديم الرعاية له؟

عدم التدخل ليس دائماً موقفاً محايداً.

الأطفال العابرون ومشاركتهم في القرار: واقع لبنان

هناك سؤال آخر أرغب في طرحه: هل الأطفال أصغر من أن يعرفوا جندرهم؟

أنا لا أظن ذلك. فلو كانوا كذلك، لربّينا كل طفل بلا جندر حتى يكبر بما يكفي ليعرفه، لكننا لا نفعل.

نحن نعدّ الأطفال أولاداً وبنات منذ سن مبكرة جداً، ونعاملهم على هذا الأساس. نعطيهم أسماء مجندَرة، ونخاطبهم بلغة مجندَرة، ونشتري لهم ملابس مجندَرة، ونسمح لهم بأن يعبّروا عن أنفسهم بما يتوافق مع جندرهم ويريحهم.

ولا أدّعي أن الثنائية الجندرية القائمة محكمة البناء، ولا أرى في فرض الأدوار الجندرية أو ربط الأسماء والملابس وتسريحات الشعر بجندر معين أمراً جيداً. غير أننا نعيش في مجتمع مجندَر، ترتبط فيه أشياء كثيرة بجندر محدد. وأنا أرى، بطبيعة الحال، أن علينا أن نفسح مكاناً للأطفال الذين لا تتسع لهم هذه الثنائية.

أما السعي إلى إلغاء الجندر، أو التوقف عن ربط كل شيء به، فلا يخوّلنا إجبار الأطفال على التوقف عن عيشه.

نحن لا نطلب من الطفل غير العابر أن يثبت فهمه للجندر قبل أن نسمح له بعيشه، ولا نتوقع منه أن يحيط بكل ما يعنيه أن يكون رجلاً أو امرأة، أو أن يفهم الجندر فلسفياً واجتماعياً وبيولوجياً ونفسياً.

فلماذا نطلب ذلك من الطفل العابر إذن؟

أقول هنا بوضوح إن الأطفال لا ينبغي أن يتخذوا قرارات طبية معقدة بمفردهم. فالقرار الطبي يشترك فيه الأهل والطفل ومقدّم رعاية صحية مؤهل وغير منحاز، مع مراعاة عمر الطفل ونضجه وصحته وحالته النفسية ورغباته وقدرته على فهم العلاج.

لكن في سياق منطقتنا، يُقصى الطفل من القرار حين يكون عابراً.

وفي لبنان، تبلغ المسألة، بالنسبة إليّ، أقصى درجات خطورتها. فالأطفال العابرون يكادون يغيبون عن النقاش هنا، وحتى في الأوساط الكويرية يقلّ الفهم عنهم وعن إمكانية أن يكون الأطفال عابرين أصلاً، ويقلّ أكثر فهم ما قد تعنيه الرعاية المؤكِّدة للجندر للقاصرين.

معرفتنا بالرعاية الصحية للعابرين عموماً محدودة، حتى داخل فضاءاتنا المجتمعية. والموضوع مثير للجدل بالفعل، فكيف إذا تعلق بالأطفال؟

يُعامَل حينها بوصفه فكرة غربية بحتة، لا مكان لها في مجتمعنا، وبعيدة عن واقعنا. وإذا كان العابرون البالغون هنا يواجهون تحديات كبيرة في الوصول إلى رعاية آمنة، فإن وضع القاصرين أشد تعقيداً بكثير، والرعاية المتاحة لهم شبه معدومة.

حين تغيب المسارات الآمنة، تبقى الحاجة إلى الرعاية قائمة، وغالباً ما يلجأ الناس إلى طرق غير آمنة. يخفي الأطفال هوياتهم ويعيشون حياة مزدوجة، وقد يحاولون الحصول على العلاج الهرموني بلا إشراف طبي أو معرفة كافية، أو يستعملون أدوية لم تُصنع لهذا الغرض.

لا أريد هنا أن أناقش التطبيب الذاتي في حد ذاته، بوصفه ممارسة يلجأ إليها العابرون لإثبات ذواتهم أمام المجتمع. وإنما أريد أن أقول إن لجوء الأطفال إلى هذه البدائل يدل على أن غياب الرعاية الآمنة لن يطفئ رغبتهم في الحصول عليها، بل قد يدفعهم إلى مسارات رعاية غير آمنة وغير رشيدة، وهذا خطر شديد.

حرمان الأطفال العابرين من الرعاية المؤكِّدة للجندر لن يوقف عبورهم، وقد يدفعهم إلى البحث عما يحتاجونه عبر مسارات غير آمنة.

على لبنان أن يبدأ بالحديث عن الأطفال العابرين بوصفهم أطفالاً موجودين اليوم، وأن يكفّ عن اعتبارهم مشكلة نظرية تخص المستقبل.

هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى أسر تفهمهم، ومدارس يأمنون فيها، وأخصائيين نفسيين يعرفون كيف يدعمونهم، ومقدّمي رعاية صحية يحسنون تقييم احتياجاتهم.

المطلوب نظام يتيح تقييم الطفل العابر ودعمه، بدلاً من حرمانه تلقائياً من الرعاية لمجرد أنه عابر. وهذا حتماً لا يعني منح كل طفل عابر هرمونات أو حاصرات بلوغ أو أي تدخل طبي آخر، كما لا يعني ترك الأطفال يقررون وحدهم في أمور طبية معقدة.

بإيجاز، يستحق الأطفال العابرون المعيار الطبي نفسه الذي نطبقه على غيرهم. لن نعطي كل طفل كل علاج لمجرد أنه طلبه، وفي المقابل لن نحرم طفلاً من الرعاية المناسبة لمجرد أن جندره يزعج الكبار.

نحن نسمح أصلاً للأطفال غير العابرين بالتعبير عن جندرهم، وبتلقّي علاج طبي يؤثر في نموهم الجنسي حين يكون ضرورياً، ونقبل أن تُبنى القرارات الطبية على النظر في حالة الطفل ورأي أهله وتقييم المختصين. ويجب أن تبقى هذه المبادئ كلها سارية حين يكون الطفل عابراً، دون انحيازات جندرية.

الأطفال العابرون لا يصبحون عابرين فجأة في عيد ميلادهم الثامن عشر، فهم يعيشون اختلافهم قبل ذلك.

والسؤال المطروح على المجتمع: هل نحن مستعدون لأن ندعهم يكبرون بأمان؟

إنهم يحتاجون إلى المعيار الطبي نفسه الذي يُطبَّق على سواهم.

‍