من خلال شهادات نساء سوريات وقراءة في التاريخ التشريعي لتجريم الإجهاض، تتناول هذه المادة تقاطع العنف الأسري والقيود القانونية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية في تشكيل قرارات النساء الإنجابية. وتتتبع تطور الضبط القانوني للإنجاب منذ الحقبة العثمانية وصولاً إلى سوريا المعاصرة، لتطرح أسئلة حول علاقة السلطة بالجسد، وحدود الاستقلالية الإنجابية، والحق في الإنجاب أو عدمه بعيداً عن الإكراه والعقاب.
%20(3).jpg)
لم يكن اكتشاف الحمل بالنسبة إلى صبا، وهو اسم مستعار لامرأة سورية في الثلاثينيات من عمرها، مجرد خبر سعيد. فقد جاء في لحظة كانت تفكر فيها جدياً في الانفصال عن زوجها، بعد عامين من علاقة زوجية اتسمت بالعنف الجسدي والقيود المفروضة على حركتها وحياتها اليومية. وعلى الرغم من ذلك، ظلت رغبتها في الحمل والإنجاب حاضرة، قبل أن تبدأ بالتراجع عنها مع استمرار الخلافات وتفاقم العنف.
لكن نتيجة اختبار الحمل جاءت على خلاف ما كانت تخطط له آنذاك. تقول صبا:
«عندما ظهر الخط الأحمر الثاني في الاختبار الإيجابي، الذي أعدته ثلاث مرات، نسيت كل المعاناة السابقة التي عشتها في بيت زوجي ... وببساطة فرحت! ... كان من أسعد أيام حياتي، شعرت بوجود الجنين، وغمرتني غبطة لم أشعر بها من قبل أبداً».
لم تستمر هذه المشاعر طويلاً. فمع تقدم الحمل، بدأت صبا تتساءل عما إذا كانت تستطيع تربية طفل أو طفلة في بيئة أسرية تعرضت فيها هي نفسها للعنف، وتُفرض فيها قيود شديدة على حياة النساء والفتيات.
حاولت صبا في البداية التمسك باحتمال أن يسهم الحمل في تحسين علاقتها الزوجية، وأن تتمكن من تأسيس أسرة مختلفة عن البيئة التي عاشت فيها. غير أن خلافاً جديداً مع زوجها أعادها إلى مواجهة واقع العلاقة، بعدما هددها واعتدى عليها وطالبها بإجهاض الحمل.
شكّل ذلك التهديد نقطة تحول في موقف صبا؛ فلم تعد ترى إمكانية لبناء حياة أسرية مستقرة مع زوجها، وقررت إنهاء العلاقة والحمل.
يتداخل العنف الزوجي مع القرارات المتعلقة بالحمل والإنجاب؛ فالقدرة على اتخاذ قرار بشأن استمرار الحمل لا تتحدد بالرغبة الشخصية وحدها، بل تتأثر أيضاً بطبيعة العلاقة الزوجية، ومدى الأمان داخلها، والموارد الاقتصادية والاجتماعية المتاحة للمرأة.
إذ لا يُقاس استقلال القرار الإنجابي بمجرد قدرة المرأة على قول «نعم» أو «لا»، بل بالظروف التي تسمح لها باتخاذ هذا القرار دون خوف أو تهديد أو إكراه.
ويتيح مفهوم الإكراه الإنجابي إطاراً لتحليل هذه العلاقة، إذ يشير إلى السلوكيات التي يسعى من خلالها الشريك إلى التحكم في القرارات الإنجابية لشريكته، سواء بالضغط من أجل حدوث الحمل أو استمراره أو إنهائه، أو بالتدخل في استخدام وسائل منع الحمل.
وتزداد هذه المسألة تعقيداً عندما لا تجد المرأة الراغبة في إنهاء حملها مساراً قانونياً وطبياً واضحاً يمكنها اللجوء إليه.
تعود بعض الجذور التاريخية لتجريم الإجهاض في التشريعات التي حكمت الأراضي السورية إلى الحقبة العثمانية، حين ارتبط تنظيم الحمل والإنجاب بسياسات قانونية وسكانية هدفت، ضمن اعتبارات أخرى، إلى تشجيع الإنجاب، باعتبار النمو السكاني مورداً للقوة الاقتصادية والعسكرية للدولة.
وقد تناول قانون الجزاء العثماني لعام 1858 الإجهاض في المادتين 192 و193، فعاقب من يتسببون في حدوثه أو يقدمون الوسائل المستخدمة فيه، دون فرض عقوبة مباشرة على المرأة التي تُجهض نفسها. غير أن تعديل عام 1911 وسّع نطاق التجريم ليشمل المرأة نفسها، معاقباً إياها بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات.
واستمر حضور هذا الإرث التشريعي خلال مرحلة الانتداب الفرنسي على سوريا، في سياق تفاعل التشريعات المحلية مع النماذج القانونية الأوروبية. وكانت فرنسا قد أصدرت، في 31 تموز/يوليو 1920، قانوناً يجرّم التحريض على الإجهاض والدعاية لوسائل منع الحمل، ضمن توجه تشريعي شجّع زيادة المواليد في أعقاب الحرب العالمية الأولى والخسائر البشرية التي خلّفتها.
وبعد الاستقلال، صدر قانون العقوبات السوري بالمرسوم التشريعي رقم 148 بتاريخ 22 حزيران/يونيو 1949، ودخل حيّز التنفيذ في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، ليعيد تنظيم أحكام منع الحمل والإجهاض ضمن المواد 523 إلى 532، الواردة في الباب المتعلق بالجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة.
لم يبدأ تدخل القانون عند لحظة الإجهاض؛ بل امتد إلى الدعاية لوسائل منع الحمل وتداولها، قبل أن يصل إلى معاقبة المرأة على إنهاء حملها.
فبموجب المادتين 523 و524، شمل التجريم وصف أساليب منع الحمل أو نشرها لأغراض الدعاية، وفق الشروط المحددة في القانون، إلى جانب بيع المواد المعدّة لمنع الحمل أو عرضها للبيع أو اقتنائها بقصد البيع أو تسهيل استعمالها. وقد نصت المادة 523 على عقوبة الحبس من شهر إلى سنة والغرامة، فيما فرضت المادة 524 العقوبة نفسها على الأفعال المحددة فيها.
وهكذا، لم يقتصر التجريم على إنهاء الحمل، بل شمل أفعالاً مرتبطة بالوسائل التي تتيح للنساء تجنّبه من الأساس.
ولم تتوقف الأحكام عند وسائل منع الحمل، بل امتدت إلى وسائل الإجهاض نفسها. فقد جرّمت المادة 525 الدعاية الهادفة إلى نشر وسائل الإجهاض أو الترويج لها أو تسهيل استعمالها، وفق الشروط المحددة في النص، وعاقبت عليها بالحبس من شهرين إلى سنتين والغرامة. أما المادة 526، فوسّعت نطاق التجريم ليشمل بيع المواد المعدّة لإحداث الإجهاض أو عرضها للبيع أو اقتنائها بقصد البيع أو تسهيل استخدامها.
وبذلك، لم يقتصر القانون على معاقبة من يُجري الإجهاض، بل امتد التجريم إلى الترويج لوسائله وتداول المواد المعدّة لإحداثه، في إطار تشريعي أخضع جوانب من القرارات الإنجابية للضبط القانوني.
أما تجريم الإجهاض نفسه، فقد كرسته المادة 527، التي تعاقب المرأة التي تُجهض نفسها، أو يُجري غيرها الإجهاض برضاها، بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات. كما تنص المادة 528 على معاقبة من يُجري الإجهاض أو يحاول إجراءه بموافقة المرأة بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، مع تشديد العقوبة إذا أفضى الإجهاض أو الوسائل المستخدمة فيه إلى وفاتها.
لم تكن موافقة المرأة على إنهاء حملها سبباً لإعفائها من العقوبة؛ بل جعلها القانون نفسها عرضة للتجريم، حتى عندما يكون الإجهاض قد أُجري برضاها.
ويظهر البعد الأخلاقي للتشريع بصورة خاصة في المادة 531، التي تمنح المرأة عذراً مخففاً إذا أجهضت نفسها للمحافظة على ما يسمّيه القانون «الشرف». ويمتد هذا العذر إلى من يرتكب إحدى جرائم الإجهاض المنصوص عليها في المادتين 528 و529 للمحافظة على «شرف» إحدى فروعه أو قريباته حتى الدرجة الثانية.
وهنا تكمن المفارقة: فبينما يمنح القانون الحفاظ على ما يسمّيه «الشرف» اعتباراً قانونياً يتيح تخفيف عقوبة الإجهاض، فإنه لا يعترف بإرادة المرأة المستقلة في إنهاء حملها سبباً عاماً لإباحته.
ولا تتعلق هذه المفارقة بالعقوبة وحدها، بل بالتصور الذي يحكم العلاقة بين جسد المرأة والسلطة القانونية؛ إذ لا تظهر المرأة في النص بوصفها صاحبة قرار مستقل بشأن حملها، بقدر ما يظهر جسدها موضوعاً لتنظيم قانوني يستند، في بعض أحكامه، إلى اعتبارات أخلاقية واجتماعية.
فمن خلال الاعتراف بمفهوم «الشرف» عذراً لتخفيف العقوبة، يمنح التشريع وزناً قانونياً لاعتبارات ترتبط بالسمعة والرقابة الاجتماعية على السلوك الجنسي والإنجابي، دون أن يمنح الاستقلالية الإنجابية للمرأة الاعتراف ذاته.
هنا لا يكتفي القانون بتنظيم الإجهاض، بل يتدخل في تحديد الدوافع التي يمنحها اعتباراً قانونياً، وتلك التي لا يعترف بها سبباً لاتخاذ قرار يتعلق بجسد المرأة.
ويشير المحامي حسين الشباط إلى صعوبة إثبات بعض حالات الإجهاض المتعمد وتمييزها عن الإجهاض التلقائي، وإلى استمرار بعض الممارسات بعيداً عن العلن.
وفي السياق السوري، حيث تتداخل القيود القانونية مع الفقر والنزوح واضطراب الخدمات الصحية والوصمة الاجتماعية، قد تتضاعف الحواجز أمام الوصول إلى الرعاية الطبية الآمنة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تقييد الوصول إلى الإجهاض لا يؤدي إلى خفض عدد حالات الإجهاض، لكنه يؤثر بصورة كبيرة في مدى أمان الإجراءات التي تحصل عليها النساء.
فالقوانين المجرِّمة لا تلغي الحاجة إلى الإجهاض؛ لكنها قد تدفع النساء إلى البحث عن خدماته بعيداً عن أنظمة الرعاية والحماية، حيث تتضاعف المخاطر وتضيق فرص المساءلة.
بعد اتخاذ قرارها، حاولت صبا الحصول على رعاية طبية لإنهاء حملها. وتقول إن عدداً من الأطباء رفضوا مساعدتها، قبل أن تتمكن من إجراء العملية في مستشفى بإحدى مدن شمال شرق سوريا، عندما كان حملها في أسبوعه السابع. وتوضح أن التدخل الطبي الذي خضعت له كان عملية «كشط للرحم»، أُجريت من خلال توسيع عنق الرحم وتجريف الرحم.
وتروي صبا أن شقيقتها رافقتها إلى المستشفى، واضطرت إلى توقيع وثيقة لإخلاء مسؤولية المؤسسة الطبية والطبيب. وبحسب شهادتها، تضمنت الوثيقة معلومات تفيد بأنها أُسعفت نتيجة نزيف مهبلي شديد، رغم أنها لم تكن تعاني من نزيف عند دخولها المستشفى.
وتقول: «دخلت إلى المستشفى برفقة شقيقتي، التي اضطرت إلى توقيع إخلاء مسؤولية المستشفى والطبيب».
وتضيف أن الوثيقة أشارت إلى تعرضها لنزيف لم يحدث، وأنها دخلت غرفة العمليات دون إبلاغها مسبقاً، بحسب روايتها، بأن الإجراء سيُجرى تحت التخدير العام.
لكن معاناتها لم تنتهِ بانتهاء العملية. فقد عانت بعد الجراحة من آلام شديدة وغير مفسَّرة، تصف أنها بلغت حداً جعلها تسقط أرضاً من شدتها. وبعد يومين من الجراحة، حاولت التواصل مع الطبيب الذي أجرى العملية للاستفسار عن الأعراض التي شعرت بها، لكنها تقول إنه أنكر معرفته بها وطلب منها حذف رقم هاتفه.
ولم تتمكن صبا من العودة إلى الطبيب لإجراء متابعة طبية، نظراً إلى وجوده في محافظة أخرى. وفي ظل غياب إمكانية التواصل معه، وعدم عثورها على معلومات كافية أو جهات ومنظمات يمكن أن توفر لها المساعدة، لجأت إلى البحث عبر الإنترنت في محاولة لفهم أعراضها وتحديد طبيعة ما تعانيه.
وتكشف تجربتها عن جانب آخر من المخاطر المرتبطة بصعوبة الوصول إلى خدمات الإجهاض والرعاية اللاحقة له. فالحصول على الإجراء الطبي لا يضمن بالضرورة استمرارية الرعاية، خصوصاً عندما تواجه النساء عوائق جغرافية وقانونية واجتماعية تحدّ من قدرتهن على طلب المساعدة أو العودة إلى مقدمي الخدمات.
وفي حالة صبا، لم تقتصر هذه العوائق على صعوبة الوصول إلى الإجهاض، بل امتدت إلى ما بعد العملية، حين وجدت نفسها أمام أعراض لم تتمكن من الحصول على تفسير طبي لها، واضطرت إلى الاعتماد على المعلومات المتاحة عبر الإنترنت بدلاً من تلقي تقييم طبي مباشر.
فحين تُحاصر النساء بالقيود القانونية والوصمة الاجتماعية، لا تصبح المشكلة مقتصرة على قدرتهن على إنهاء الحمل، بل تمتد إلى حقهن في الحصول على الرعاية والمعلومات والحماية بعد الإجهاض، دون خوف أو اضطرار إلى مواجهة المخاطر الصحية بمفردهن.
وفي سياق متصل، يقول الدكتور بسّام، اختصاصي الأمراض النسائية، إن بعض النساء يلجأن إلى استخدام الأدوية المحفزة للإجهاض، ولا سيما الميزوبروستول، خارج إطار الرعاية الطبية النظامية. ويوضح أن المشكلة لا تكمن في الدواء بحد ذاته، وإنما في نقص المعلومات الطبية المتعلقة باستخدامه، وعدم معرفة بعض النساء بالجرعات المناسبة أو المضاعفات المحتملة، إلى جانب محدودية الوصول إلى الاستشارة والرعاية الطبية.
ويحذر الدكتور بسّام من المخاطر المحتملة المرتبطة بالاستخدام غير الملائم للأدوية، ومن احتمال استمرار الحمل بعد محاولة إنهائه دوائياً. ويشير إلى أن بعض النساء قد يتناولن كميات كبيرة من الأدوية دون تحقيق النتيجة المرجوة. ويقول:
«قد يستخدمن ستين حبة ويستمر الحمل، وهي جرعة كبيرة. وبسبب القوانين التي تمنع الإجهاض، أنا كطبيب لا أتمكن من مساعدة هذه السيدة على الإجهاض، وبالمقابل تزدهر سوق سوداء للعيادات السرية».
ويضيف أن النساء اللواتي يتعذر عليهن الوصول إلى طبيب قد يلجأن إلى القابلات أو إلى وصفات شعبية، تشمل استخدام حبوب الكينا والسنامكي (السلمكا) والزيوت العطرية وغيرها من المواد. ويحذر من أن استخدام وسائل غير طبية أو غير مأمونة لإنهاء الحمل قد يتسبب بمضاعفات خطيرة، منها النزيف والالتهابات وإصابات الرحم، فضلاً عن احتمال عدم اكتمال الإجهاض أو استمرار الحمل، وما قد يرتبط بذلك من مخاطر صحية.
لا تنحصر المخاطر المحتملة في المضاعفات الصحية؛ فقد تخلق صعوبة الوصول إلى خدمات الإجهاض ظروفاً تزيد من قابلية بعض النساء للتعرض للاستغلال المادي أو الاعتداءات الجنسية، خاصة عندما تكون خياراتهن محدودة ويخشين تقديم الشكاوى أو فقدان إمكانية الحصول على الرعاية.
تروي ملاك العابد، وهو اسم مستعار لامرأة سورية في الثلاثينيات من عمرها، تجربة تعرضها للتحرش الجسدي من طبيب لجأت إليه طلباً للمساعدة في إنهاء حملها.
كانت ملاك أماً لأربعة أطفال، وترغب في الاكتفاء بهم، بينما كان زوجها يريد إنجاب المزيد. وأمام الخلاف بشأن عدد الأطفال، بحثت عن إمكانية إنهاء حملها، إلى أن وصلت إلى عيادة غير رسمية.
وبحسب شهادتها، تعرضت خلال المعاينة الطبية للمسات غير مرغوب فيها جعلتها تشعر بعدم الارتياح، من بينها لمسات أثناء إعطائها حقنة في منطقة الأرداف، إلى جانب تصرفات جسدية أخرى وصفتها بأنها غير مقبولة. وتضيف أن الطبيب طلب لقاءها، في سلوك أثار لديها مزيداً من الخوف وعدم الارتياح.
ورغم ذلك، لم تتمكن ملاك من الاعتراض على تصرفاته أو التوقف عن مراجعة العيادة، خشية فقدان الفرصة المتاحة لها لإنهاء الحمل، في ظل محدودية البدائل وخوفها من تقدمه.
لا يقتصر النقاش حول الإجهاض على الحق في إنهاء الحمل، بل يمتد إلى الظروف التي تجعل القرار الإنجابي حراً من الأساس. فمن منظور العدالة الإنجابية، الذي طورته ناشطات نسويات سوداوات في الولايات المتحدة خلال تسعينيات القرن الماضي، لا تنفصل حرية عدم الإنجاب عن الحق في الإنجاب.
وفي السياق السوري، تكشف تجربتا صبا وملاك عن جوانب مختلفة من هذه المسألة؛ فصبا، التي كانت ترغب بدايةً في الإنجاب، دفعتها علاقتها القائمة على العنف إلى إعادة النظر في قرارها، بينما واجهت ملاك تحديات في تحديد عدد الأطفال الذين ترغب في إنجابهم. وفي الحالتين، لم يكن القرار الإنجابي منفصلاً عن العنف والقيود الاجتماعية والاقتصادية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية.
لا تتحقق العدالة الإنجابية بمجرد الاعتراف بحق المرأة في إنهاء الحمل، بل بالاعتراف أيضاً بحقها في أن تُنجب دون إكراه، وألّا تُنجب دون عقاب، وأن تربي أطفالها في بيئة لا يحكمها العنف أو الحرمان.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن القيود القانونية لا تؤدي إلى خفض حدوث الإجهاض، لكنها تؤثر في مدى أمانه. وبذلك، لا تختفي الحاجة إلى إنهاء الحمل بفعل التجريم، وإنما قد تتوزع مخاطره بصورة غير متكافئة بين النساء، تبعاً لمواردهن المالية والاجتماعية، وقدرتهن على الوصول إلى الرعاية الآمنة.
غير أن قراءة هذه المخاطر من منظور العدالة الإنجابية تكشف أيضاً حدود المقاربة التي تختزل الإجهاض في خيار فردي منعزل عن شروطه الاجتماعية والمادية. فالمرأة التي تتعرض للعنف داخل الأسرة، أو تعتمد اقتصادياً على شريكها، أو تعيش في منطقة تفتقر إلى الخدمات الصحية، لا تواجه الظروف نفسها التي تواجهها امرأة تمتلك الموارد والقدرة على الوصول إلى الرعاية والحماية.
بعد أكثر من سبعة عقود على صدور قانون العقوبات السوري، وفي ظل التحولات السياسية التي تشهدها البلاد منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، تطرح قضية الإجهاض سؤالاً أوسع حول موقع الاستقلال الجسدي والإنجابي للنساء في مستقبل التشريعات والمؤسسات السورية.
فالقضية لا تتعلق فقط بإتاحة إجراء طبي أو منعه، وإنما بالسلطات التي تتدخل في القرارات الإنجابية، من الأسرة والشريك إلى الطبيب والقانون، وبالظروف التي تجعل ممارسة هذا الحق ممكنة أو تحول دون ذلك.
ولا تكمن أهمية هذا السؤال في المطالبة بإصلاح تشريعي منفصل عن الواقع الاجتماعي، بل في إعادة النظر في البنية التي تجعل الإنجاب مسؤولية تُفرض على النساء، بينما تُقيّد قدرتهن على تحديد شروطه أو رفضه.
فالعدالة الإنجابية لا تعني أن تختار السلطة للمرأة بين الحمل والإجهاض، بل أن تتوقف عن مصادرة حقها في الاختيار، وأن تتوافر الشروط التي تجعل هذا الحق قابلاً للممارسة.